فهرس الكتاب

الصفحة 978 من 1236

عبادَ الله، إنّه لم يكن عجبًا أن ينهَج رسول الله هذا النهجَ بالصّبر على البلاءِ هو والنبيّون من قبله وأتباعهم من بعدهم، فإنّهم يستيقِنون أنَّ الله تعالى لم يكتُب هذه السّنّةَ على العبد ليهلكَه أو يقتلَه أو يوردَه الموارد، حتّى تضيق عليه نفسُه، وتضيق عليه الأرضُ بما رحُبت، وحتّى تورِثه فسادَ الحال في العاجلة وسوءَ المآل في الآجلة، وإنّما كتبها لحِكمٍ عظيمة وفوائدَ جليلة ومقاصدَ جميلة تكاد تربو على الحصرِ وتجلّ عن العدِّ، فمِن ذلك أنَّ هذه البلايا إنّما جاءت ليمتحِن الله بها صبرَ عبدِه وليبتليَه فيتبيَّن حينئذ صلاحُه لأن يكونَ مِن أوليائه وحزبِه المفلحين، فإن ثبتَ للخطوبِ وصَبر على البَلاء اصطفَاه واجتباه، وخَلعَ عليه خِلَع الإكرام، وألبسَه ألبسةَ الفضل، وكساه حُللَ الأجر، وغشَّاه أغشيةَ القبول، وختم له بخاتمةِ الرّضوان، وجعل أولياءه وحزبَه خدمًا له وعونًا. وإنِ انقلبَ على وجهه ونَكَص على عقِبيه طُرد وأقصِي وحجِب عنه الرّضا، وكُتب عليه السّخط، وتضاعفت عليه أثقال البلاء وهزمَته جيوشُ الشقاء، وهو لا يشعرُ في الحال بتضاعُفٍ ولا بهزيمة، لكنه يَعلم بعد ذلك أنَّ المصيبةَ صارَت في حقِّه مصائب، وما بين هاتَين المنزلتين منزلةِ الصّبر ومنزلة السّخط كما قال العلامة الإمام ابن القيم رحمه الله:"ما بينهما صبرُ ساعة، وتشجيعُ القلبِ في تِلك السّاعة، والمصيبَة لا بدَّ أن تقلِع عن هذا وهذا، ولكن تقلِعُ عن هذا بأنواعِ الكراماتِ والخيرات، وعن الآخرِ بالحِرمان والخِذلان؛ لأنَّ ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم"انتهى كلامه يرحمه الله (3) [3] .

فعطاءُ الصبر إذًا هو خيرُ ما يُعطى العبد من عطاء كما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال: (( ما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصّبر ) ) (4) [4] .

ومِن حِكم الابتلاء ـ أيها الإخوة ـ تحقيقُ العبوديّة لله، فإنَّ الله تعالى يُربِّي عبدَه على السّرّاء والضّرّاء والنّعمة والبلاء، حتّى يستخرجَ منه العبوديّة في جميع الأحوال، إذِ العبد على الحقيقة هو القائمُ بعبوديّة الله على اختلافِ أحوالِه، أمّا عبدُ النّعمة والسّرّاء وهو الذي يعبُد اللهَ على حرف، هو الشكّ والقلقُ والتّزلزل في الدين، أو على حالٍ واحدة، فإِن أصابَه خير اطمأنّ به، وإن أصابته فتنةٌ انقلبَ على وجهه، فهذا ليسَ من عبيده الذين اختارَهم سبحانه لعبوديّته وشرّفهم بها ووعدَهم بحسنِ العاقبةِ عليها.

فالابتلاء ـ يا عباد الله ـ كيرُ القلوب ومحكُّ الإيمان وآيةُ الإخلاص ودليل التسليم وشاهدُ الإِذعان للهِ ربِّ العالمين، وهُو كالدّواء النافع يسوقه إلى المريضِ طبيبٌ رحيمٌ به ناصحٌ له عليمٌ بمصلحتِه، فحقُّ المريض العاقِل الصبرُ على تجرّع صابِه وعلقمِه، ولا يتقيَّؤُه بالسّخَط والشّكوى لئلاّ يتحوّل نفعُه ضررًا، فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] .

فعلى المسلمِ عندَ نزولِ البلاءِ ووقوعِ المحن ونُجومِ الخطوب أن يثبُت لها ثباتًا لا يتزلزَل مهما اشتدَّت ريحها واضطرمَت نيرانُها، وإنَّ لهذا الثّبات ـ أيّها الإخوة ـ أسبابًا تعين عليه وتذلِّل السبيلَ إليه، منها صدقُ اللجوء إلى الله تعالى، وكمالُ التوكّل عليه، وشدّة الضراعة وتمامُ الإنابة إليه، وصِدق التوبَة بهجرِ الخطايا والتّجافي عن الذنوب، فقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفِع إلا بتوبة) (5) [5] .

وكذا تحسينُ الظنِّ بالإخوَة في الدين عامّة، وبولاة الأمرِ وأهلِ العلم والفضلِ خاصّة، وذلك بحملِ أقوالِهم وأعمالِهم على أحسنِ المحامل وأجملِها، وكذا الرّجوع إلى الراسخين في العلم باستيضاحِ ما يُشكل والسؤالِ عما يُجهَل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت