فهرس الكتاب

الصفحة 981 من 1236

وقد قرر الله ذلك في آية أخرى، ومع قوم آخرين، لكنهم نجحوا في هذا الامتحان فكانوا خيرا من اليهود، وهم المسلمون أصحاب الرسول ، لما كانوا محرِمين بعمرة الحديبية ابتلاهم الله بالصيد وهو محرَّم على المحرِم، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:94] .

يقول ابن سعدي:"لقد ذكر الله الحكمة من ذلك الابتلاء فقال: ليعلم الله علما ظاهرا للخَلق يترتّب عليه الثواب والعقاب مَن يخافه بالغيب فيكف عمّا نهى الله عنه مع القدرة عليه وتمكنه منه فيثيبه الله الثواب الجزيل ممن لا يخافه بالغيب فلا يرتدع عن معصية تعرِض له فيصطاد ويقترف ما تمكن منه... والاعتبار بالخوف من الله بالغيب وعدم حضور الناس، وأما إظهار مخافة الله عند الناس فقد يكون لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك".

وتأملوا حالنا اليوم، كيف فتح الله علينا الدنيا فيسّر الله لنا اكتساب الأموال حلالها وحرامها، فكثر تجّار الربا ومثلهم تجار الحلال، ولقد تيسّرت لنا المعاصي اليوم بخلاف الأمس، فكثرت النساء المسيّبات مما أدّى إلى سهولة الزنا بأنواعه: زنا العين والرجل والفرج ونحوها، حتى صار الكثير منا يقول: لا ملامة علينا وعلى الشباب، أو إن الخرق اتّسع على الراقع، ونحو ذلك من الحجج الواهية الباطلة. وهذا والله عين الابتلاء، فلنحذر ولْنعِ الأمر ولننظر إلى الواقع نظرة صحيحة، فهل تحبون أن تكونوا كاليهود خسروا وفشلوا في الامتحان فأنزل الله بهم أشد العذاب أم تحبون أن تكونوا من المسلمين فتنجحوا وتفوزوا في الامتحان فيثيبكم الله الثواب الجزيل ويخفف عنكم ويرفع البلاء عنكم؟!

الوقفة الثانية: ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم السكوت عن المنكر بحجة أن النهي لا ينفع أو أن الأمر والنهي قد فات أوانه. ولقد مدح الله في هذه القصة الناهين عن السوء، وبين أنه تعالى أنجاهم من العذاب وشرّفهم بفضله، وسكت عن الساكتين الذين يقولون للواعظين: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا.

يقول ابن كثير: الجزاء من جنس العمل، فلما سكتوا عن الإنكار سكت الله عنهم، فلم يمدحهم ولم يذمهم، واختلف العلماء في حالهم: هل نجوا أم عوقبوا؟ فيقول ابن سعدي في المسألة:"والظاهر أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين؛ لأن الأمر والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقلوبهم وببغضهم لصنيعهم حين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، فأبدوا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة لفعلهم"اهـ.

ولابن سعدي كلام جميل حول هذه الآيات وما بعدها، فيحسن مراجعته، وتأملوا هذا الموقف الجليل من الصحابي الجليل حبر هذه الأمة وترجمان قرآنها ابن عباس، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في آخر هذه القصة: (أرى الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكِروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها) ، وكأنه رضي الله عنه يعاتب نفسه ويخوفها من عذاب الله على سكوته، فقال له عكرمة: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ؟! قال: فسري عن ابن عباس واطمأنت نفسه، وطمع في رضا ربه، فأمر به فكسِي ثوبين غليظين.

وعليه يكون الساكتون نجَوا بفضل الله، ثم بسبب إنكارهم بقلوبهم واكتفائهم بإنكار أصحابهم والله أعلم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله...

الخطبة الثانية

الوقفة الثالثة: لقد عذب الله اليهود الذين احتالوا على أمره وخادعوه وظنوا أنهم ناجون بذلك، وما علموا أن الحرام حرام ولو احتالوا عليه، ولقد حذرنا الرسول أن نكون مثلهم فقال: (( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) )قال ابن كثير:"إسناده جيد، ورجال ثقات".

ولقد احتال بعض الناس اليوم على ما حرّم الله في كثير من الأمور كالرياء والزنا والسفر المحرم، واحتالوا لأنفسهم لترك الدعوة إلى الله أو الحسبة أو الجهاد ونحو ذلك، فيجب الحذر حتى لا يصيبنا ما أصاب أهل أيلة.

عباد الله، وأما الوقفة الرابعة والأخيرة: فهي مع أولئك القوم الذين مسخهم الله قردة، هل تناسلوا أم لا؟ وكم مكثوا أحياء؟ يقول ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: (إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فواقا ـ أي: فواق ناقة، وهو مقدار حلب الناقة ـ ثم هلكوا، وما كان للمسخ نسل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت