فهرس الكتاب

الصفحة 1196 من 1236

وما قاله شيخ الإسلام هو الحق، فقد قرن الله بين الصبر والإيمان والعمل، حيث قال في سورة العصر:"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، ولهذا قال الشافعي - رحمه الله: لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكانت كافية وحجة على الأمة.

والدليل على ذلك أن كثيرًا من الخلق يسهل عليهم الصبر على المصائب والبلايا وعن المعاصي، ولكن قليل منهم من يصبر على طاعة الله - عز وجل -، بل من الناس من يصبر على المعاصي ويتحمل من أجلها ما لا يتحمل معشار معشاره على طاعة الله - عز وجل -.

قال المزني - رحمه الله: (سمعتُ الشافعي - رحمه الله - يقول: رأيتُ بالمدينة ـ المنورة ـ أربع عجائب، رأيتُ جَدَّة بنت إحدى وعشرين سنة، ورأيتُ رجلًا فلسه القاضي في مدين نَوَى، ورأيتُ شيخًا قد أتى عليه تسعون سنة، يدور نهاره أجمع حافيًا راجلًا على القينات يعلمهن الغناء، فإذا أتى الصلاة صلى قاعدًا، ونسيتُ الرابعة) . [2]

وشاهدنا في قوله:"ورأيتُ شيخًا قد أتى عليه تسعون.."إلخ.

وما تعجب منه الشافعي، وحق له أن يعد ذلك من العجائب، مُشاهَد، فإنك تجد البائع واقفًا في سوقه من الصباح إلى المساء لا يفتر ولا يقعد، وكذلك مشجع الكرة يقف على رجل واحدة ويصيح بملء فيه ويدخل الملعب قبل ثلاث ساعات من موعد المباراة، وتجد الفنان يقيم الحفلة إلى مشارف الصبح، والمصلي يخرج من المسجد يقف يتكلم في أمور الدنيا الساعة والساعتين، وغيرُهم كثير، فإذا استغرقت الصلاة ربع ساعة، أواطمأن الإمامُ في ركوعه وسجوده قليلًا، قامت الدنيا ولم تقعد، وتضجَّر الناسُ، واشتكوا، ومنهم من يشكو الإمام إلى المسؤولين وإلى لجنة المسجد، ورفع في وجه الإمام كلمة الحق التي يريدون بها باطلًا:"من أمَّ الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف.."الحديث.

وكأن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كان يؤمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المغرب أحيانًا بالأعراف والصافات، والذين أمهم أبو بكر الصديق مرة بالبقرة كلها في صلاة الصبح، والذين كثيرًا ما كان يؤمهم عمر في الصبح بيوسف، وهود، والنحل، ليس فيهم مريض ولا ضعيف؟

وتثريب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على معاذ رضي الله عنه لأنه كان يصلي معه العشاء ثم يذهب ليؤم قومه بعد ذلك، وقد أمهم يومًا بالبقرة في الركعة الأولى من العشاء، وبالقمر في الثانية، وعندما خرج أعرابي من صلاته نال منه معاذ بأنه منافق! ومن أجل ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال.

أين هذا كله مما عليه الأئمة الآن؟! فتبيَّن أن احتجاج البعض بهذا الحديث ليس في موضع النزاع، فمن فعل كما فعل معاذ يكون فتانًا حقًا، ولكن مَنْ مِن الأئمة الآن يستطيع أن يفعل ذلك ولو كان فذًا؟!

أعجب من هؤلاء جميعًا من يحيي ليله بالرقص، والتواجد، والضرب بالأقدام على الأرض، فإذا حان وقت صلاة الصبح تفرَّق جلهم، ومن بقي صُلِّيَ بهم بقصار المفصل من غير اطمئنان ولا خشوع.

لقد صاغ العلامة ابن القيم - رحمه الله - حال هذه الطائفة ـ الصوفية ـ التي أسِّست على الكسل كما قال الشافعي، شعرًا، حيث ذكر جدهم واجتهادهم عند السماع، والرقص، والتواجد، الذي هو دين عباد العجل، عندما اتخذ لهم السامري عجلًا جسدًا له خوار، فقاموا حواليه يرقصون ويتواجدون حتى يقع أحدُهم مغشيًا عليه، فالرقص، والتواجد، والسماع الصوفي ليس من الذكر الذي شرعه الله لعباده على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان هو وأصحابه يذكرون الله وكأنما على رؤوسهم الطير من الوقار والسكينة، مقارنًا له بصدودهم عن سماع آي القرآن والعلم، وعن الخشوع والاطمئنان في الصلاة التي هي من أجلِّ العبادات وأفضل القربات، قائلًا [3] :

تُلي الكتابُ فأطرقوا، لا خيفةً *** لكنه إطراق ساهٍ لاهي

وأتى الغناءُ فكالحمير تناهقوا *** و الله ما رقصوا لأجل الله

دفٌّ، ومزمارٌ، و نغمة شادنٍ *** فمتى رأيتَ عبادةً بملاهي؟

ثَقُل الكتابُ عليهمُ لما رأوا *** تقييده بأوامر و نواهي

سمعوا له رعدًا وبرقًا إذ حوَى *** زجرًا و تخويفًا بفعل مناهي

ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفس عن *** شهواتها، يا ذبحها المتناهي

وأتى السماعُ موافقًا أغراضها *** فلأجل ذاك غدا عظيمَ الجاه

أين المساعدُ للهوى من قاطع *** أسبابَه عند الجَهول الساهي؟

إن لم يكن خمرَ الجسوم فإنه *** خمرُ العقول مماثلٌ ومضاهي

فانظر إلى النشوان عند شرابه *** وانظر إلى النسوان عند ملاهي

و انظر إلى تمزيق ذا أثوابه *** من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي

واحكم فأيُّ الخمرتين أحقُّ *** بالتحريم والتأثيم عند الله؟

وقال كذلك:

ذهب الرجالُ و حال دون مجالهم *** زُمَرٌ من الأوباش والأنذال

زعموا بأنهم على آثارهم *** ساروا و لكن سيرة البطَّال

لبسوا الدَّلوق مرقَّعًا و تقشفوا *** كتقشف الأقطاب و الأبدال

قطعوا طريق السالكين و غوَّروا *** سبل الهدى بجهالة وضلال

عَمَروا ظواهرهم بأثواب التقى *** وحَشَوا بواطنهم من الأدغال

إن قلت: قال الله قال رسوله *** هَمَزوك همزَ المنكِر المتغالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت