يمتحن المؤمنون في هذا الزمان وفي كل زمان بأنواع من الابتلاءات والمحن على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول ، وتلك سنة إلهية ماضية ، قال تعالى: (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) ) [ العنكبوت: 2 ] ، وقال عز وجل: (( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) ) [ تبارك: 2 ] ، وقد يكون الابتلاء بالرخاء وقد يكون بالشدة . وما يعنينا هنا هو وقوع الابتلاء بالشدائد والمحن وموقف المؤمن منها .
الصبر مظهر الرضا:
ولما كان الابتلاء بالمحن من سنة الله تعالى ، فقد لزم أن يعرف المؤمن ذلك وأن يفهم حقيقته ، وحين يفقه المؤمنون سنن الله تعالى فإنهم يحسنون التعامل معها ، ويتمثل فقه المؤمنين لسنة الابتلاء بالمحن في الرضا بقضاء الله تعالى والخضوع لأمره ، ومظهر هذا الرضا والخضوع هو الصبر ؛ هذا الخلق العظيم الذي يمثل موقف المؤمنين تجاه المحن والابتلاءات ، ويجسد فلسفة المؤمن في التعامل مع أكدار الحياة وجراحها ومنغصاتها التي لا تنتهي . وعلى أساس هذا الفهم السليم فإن المؤمن يكون راضيا بقضاء ربه عز وجل متسلحا بالصبر في كل أحواله ولا سيما في الشدائد والمحن وفقا لما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) 1 .
الرضا حظ المؤمن:
وحين يؤمن العبد أن له على كل مصيبة أو محنة مهما صغرت أجرا إذا صبر ، ويستيقن أن صبره لا يذهب هباء منثورا وإنما يكون مذخورا له عند ربه محفوظا له في ميزانه يوم القيامة ، وأن ( عظم الجزاء مع عظم البلاء وأن من رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط ) 2 ، وأنه ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) 3 ، فإن ذلك الإيمان يغمره بالرضا ويفيض عليه من السكينة ما يخفف من آلامه ويسكن من جراحه . ولذلك ترى المؤمن في المحن والشدائد متذرعا بالصبر ، ميالا إلى التحمل والثبات محتفظا بتوازنه ورباطة جأشه ، يترجم ذلك كله بما يناسب الحال من الكلمات والعبارات التي تعكس استسلامه لأمر الله تعالى ورضاه بقضائه ، فتراه يكثر من قول ( الحمد لله ) و ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) وما شابه ذلك من الأقوال التي تثقل بها الموازين وتذهب قلق الأهل والمحبين .
مواقف متنوعة:
وفي زماننا كثيرة هي المحن التي تتطلب فهم درس الصبر فهما سليما ؛ يعين على الثبات ، ويساعد على تجاوز العثرات ، والوقوف في وجه التحديات والصعوبات التي تعترض المسلمين في حياتهم الخاصة والعامة ، وتقف في طريق الدعوة ، وتعمل على إجهاض الصحوة .
وثمة مواقف وأحوال يلزم فيها الصبر ، سلاحا للمؤمن ، وزادا على طريقه لتحصيل مرضاة ربه عز وجل ، فإذا افتقده فيها أدركه الجزع وخالط قلبه الفزع ؛ فلا تراه إلا ضعيفا مهزوزا مهزوما . ومن تلك المواقف والأحوال ما يلي:
الصبر على الفقر والحاجة:
إذ يكون الفقير المحتاج بين موقفين ؛ أولهما أن يلجأ إلى سؤال الناس، وطلب المعونة من الخلق ، والثاني أن يتصبر على حاله ممتنعا عن سؤال الخلق ، ومحتالا بما أمكن من الجهد وطرق أبواب العمل ، حتى يأتي الفرج ويبدل العسر يسرا . ولا شك أن موقف التصبر في هذه المحنة خير من موقف السؤال وعرض الحال ، ولذلك جاء توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموقف مؤكدا على قيمة الصبر وحسن عاقبته ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسا من الأنصار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده ، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: ( ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) 4 . وقوله يتصبر يفيد أن تحصيله الصبر لم يكن بسهولة ، وإنما بشيء من المعاناة والتحمل ، لأنه لم يكن صابرا إلا بتكلف مؤونة الصبر وتحمل مشقته .
الصبر في السراء والضراء:
ومن الطبيعي أن يصبغ الإيمان حياة المؤمن بصبغة الصبر ، وأن يكون المؤمن صابرا ، ولكن المؤمنين يتفاوتون في ذلك بقدر حظهم من الإيمان ، فكلما ارتفع مستوى الإيمان وازداد رسوخ اليقين كان العبد أكثر صبرا ، فارتفاع مستوى الإيمان يعني ارتفاع مستوى الصبر .
وفي معرض بيان الحق جل وعلا لوجوه البر امتدح الصابرين في البأساء والضراء بالصدق والتقوى فقال (( .. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ) [ البقرة: 177 ] ، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم شكر المؤمن على السراء وصبره على الضراء بقوله: ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) 5 .
مصيبة الموت: