فهرس الكتاب

الصفحة 1024 من 1236

والمصائب تتفاوت أيضا في الشدة ، وليس ثمة مصيبة أشد وقعا على الإنسان من موت قريب أو عزيز ؛ فإن مصيبة الموت تهز الإنسان هزا عميقا ، وتفجعه بفراق الأحباب ، ولذلك كان الصبر حينها لازما وضروريا للمؤمن ، وكان غيابه مؤديا في كثير من الأحيان للوقوع في المحظور من القول أو الفعل المحرم ، أو موجبا للشرك أو للكفر والعياذ بالله ؛ كالنياحة التي حرمها الشرع ، وإطلاق ألفاظ السخط والسخرية على القدر ، وعدم الرضا بقضاء الله عز وجل .

وقد بشر الله سبحانه من يصبر على موت عزيز عليه بأن له الجنة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يقول الله تعالى: ما لعبدى المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) 6 .

مصيبة العمى:

ومن أشق المصائب على الإنسان في صحته فقد بصره . لذلك وعد الله عز وجل من صبر على هذه المصيبة أن يجزيه الله الجنة ، وقد ورد هذا الوعد الإلهي الصادق في الحديث القدسي الذي رواه أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يقول الله تعالى: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة ) 7 .

الصبر حين الغضب:

ومن المواقف التي يلزم فيها الصبر موقف الغضب ، فحين تستبد بالنفس سورة الغضب الشيطاني الجامح ؛ تفلت من عقال الضبط ، وتستجيب لدواعي الهوى والعناد والتعصب ونزغات الشيطان ، فتخرج عن حد الالتزام بالشرع ، وفي هذه المواقف تمتحن رجولة الرجال وكفاءة الأبطال ؛ فأما من وفق للسيطرة على نزعات النفس ودفع نزغات الشيطان ؛ فهو الرجل القوي الشديد الأمكن ، ولو ظهر أنه من أوساط الناس جسديا وعضليا . وأما من فقد السيطرة على نفسه فهو الأضعف ولو بدا قوي الجسم شديد البنية ، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس الشديد بالصرعة ، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) 8 .

ومن أنصع الأمثلة العملية على الصبر الذي تتجلى فيه القدرة على ضبط الانفعال ، وحسن قيادة النفس ، وتعزيتها بعبر السابقين ؛ قصة قسمة الغنائم عقب انتصار المسلمين في غزوة حنين ؛ إذ تألف النبي صلى الله عليه وسلم قلوب بعض الناس ، طمعا في إسلامهم ، فأعطاهم عطاء أكثر من غيرهم ، فقال أحد المسلمين: ( والله إن هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله ) ، فوصل ذلك القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فظهر عليه الغضب واعتصره الحزن والألم ، ولكنه صبّر نفسه ، وهو الرؤوف بالمؤمنين الرحيم بهم ، وكظم غيظه وقال: ( ومن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ) !! ثم قال متأسيا بأخيه موسى عليه السلام: ( رحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر ) 9 .

الصبر على مشاق الدعوة والجهاد:

ومن أعظم المواقف التي تتطلب صبرا عاليا ، ومقاومة شديدة ، وضبطا للنفس لا يقدر عليه إلا أهل اليقين الصامدون في خندق العقيدة ، والثابتون على طريق المبدأ ، مواقف الدعوة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله . ذلك أن إقامة الخلْق على العبودية لله عز وجل تكلفهم أن يخرجوا على هوى أنفسهم، وينعتقوا من أسر عاداتهم ، وما ورثوه عن آبائهم ، وما ألفوه في حياتهم من الطقوس والتقاليد الجاهلية ، وهذا ما يشق على النفوس ويستحيل على كثير من الناس أن يستجيبوا له ، فتراهم يغلقون على أنفسهم أبواب الاستجابة للدعوة ، ويتخذون من الدعاة موقف الضدية والمعاداة ، ويقطعون عليهم طريق التبليغ ، ويجتهدون في إيذائهم ومقاومة دعوتهم بما استطاعوا من وسائل الضغط والعنف والحرب الهوجاء .

ومن أمثلة ذلك ما صورته لنا عبارات هذا الحديث الشريف الذي يقول فيه الصحابي الجليل خباب رضي الله عنه: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( قد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه . والله ليتمن الله هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ) 10 .

الهوامش:

1.رواه مسلم عن صهيب بن سنان في كتاب الزهد ، باب المؤمن أمره كله خير، ( 2999 ) .

2.صحيح سنن الترمذي ( 2/285 ) .

3.رواه البخاري في المرضى ، باب ما جاء في كفارة المرض (10/91 ) . ومسلم في البر ، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض ( 2573 ) .

4.رواه البخاري في الزكاة ، باب الاستعفاف عن المسألة ( 3/265 ) ، ومسلم في الزكاة ، باب فضل التعفف والصبر ( 1053 ) .

5.رواه مسلم وسبق توثيقه .

6.رواه البخاري في كتاب الرقاق ، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى ( 11/207 ) .

7.رواه البخاري في كتاب المرضى ، باب فضل من ذهب بصره ( 10/100 ) .

8.رواه البخاري في الأدب ، باب الحذر من الغضب (10/431 ) .ومسلم في البر ، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب ( 2609 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت