إننا إذا عرفنا الفلسفة الحقيقية للمحنة، فان هذه المعرفة سوف تكون مدعاة الى امتصاص البلاء، وإحتواء موجات الفتن والآلام والمآسي، وذلك ضمن معرفة الحقيقة العامة في الحياة والتي تقتضي حالة التغيير والتقلب.
إن سنة الفتنة والامتحان لا تختص بالانسان فحسب، بل تدخل في مجال الطبيعة أيضًا. فالحداد يحيل الحديد الخام الى آلات، وهو يطلق عليه اسم (الصانع) لأنه يصنع شيئًا عبر تعامله مع الطبيعة الأصلية من خلال إخضاعها للاختبار، وتعريضها للضغط، ليصل بهذه المراحل الى صيغة أساسية لحالة الصنع؛ الأمر الذي يؤكد على أن الطبيعة هي الأخرى تتعرض لنوع من الامتحان باشراف الانسان.
إن الانسان الذي يستطيع الثبات أمام حالات التغيير في الحياة، هو الذي كان قد بنى نفسه كانسان يستطيع مواجهة المتغيرات الحياتية. فالفقيه - مثلًا - لابد أن يحافظ على كرامة شخصيته، ولا ينهار أمام الأغنياء، بل يحترم الغني لانسانيته، وللقيم التي يحملها.. أما إذا احترم الغني لغناه، فانه سيكون قد أشرك مع الله سبحانه وتعالى إلهًا آخر، فيدفعه هذا الانهيار الى البحث عن العزة في قصور السلاطين.
وهكذا الحال بالنسبة الى الانسان الغني، فان من المفترض أن لا يخرجه غناه عن طوره الانساني، ولا يدعوه إلى التكبر والغرور..
أعظم الفتن
إن من أعظم أنواع الفتن؛ الفتنة الاجتماعية التي تصيب المجموع. وإذا ما أراد الله جل وعلا أن يجرب إرادة شعب بأكمله، فانه ينزل عليهم الفتنة الجماعية. وعلى سبيل المثال فعندما تنشب الحرب ويكون الاشتراك في هذه الحرب مؤديًا الى الشهادة أو الأسر أو التعويق الدائم، ففي هذه الحالة تظهر طبيعة الانسان على حقيقتها. والله سبحانه وتعالى يعرض البشر دائمًا لهذا النوع من الإمتحانات، وهو القائل: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ((الفرقان/20)
والمثال الواضح على ذلك من التأريخ معركة بدر الكبرى، حيث ذهب المسلمون للحصول على المغانم واذا بهم يواجهون ألف فارس من فرسان الجزيرة العربية مدججين بالسلاح، مع أن المسلمين كانوا قليلي العدد لا يملكون سوى أسلحة بسيطة تعد لا شيء بالقياس الى الأسلحة التي يتمتع بها العدو.
ويروي لنا عز وجل هذه الحادثة التأريخية، قائلًا: (إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ((الانفال/42) .
فقد كانت مواقع الطرفين في المعركة مختلفة، ولو كانت هذه الحرب مقصودة ومدبرة سلفًا، لكانت إحتمالات وقوعها قليلة، خصوصًا مع عدم تهيؤ أفراد الجيش لهذه المعركة. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: (لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًَا كَانَ مَفْعُولًا((الانفال/42)
فالأمر الذي أراده الله تعالى من فجائية الحرب، هو معرفة الانسان لحقيقة طاقاته وقدراته، لكي يستطيع أن يدعي حينئذ أنه قادر على فتح البلاد وإدارة العباد، لا أن تفند كل ادعاءاته هذه عندما تأتي ساعة المواجهة.
ويؤكد عز وجل على فلسفة المباغتة والمفاجأة، قائلًا: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ((الانفال/42) وهو سميع عليم، لأنه يراقب مجريات المعركة عن كثب، ويعلم بما في صدور المسلمين.
ثم يقول سبحانه وتعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْر((الانفال/43)
فعلى الرغم من أن جيش المشركين كان ذا عدد ضخم بالمقياس العسكري لذلك العصر، ولكن الله تبارك وتعالى قلل من شأن هذه القوة عند رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه، لكي تنتصر إرادة المؤمنين على واقع هذه المجموعة المزيفة.
تقييم واقعي
وإني أستوحي من هذه الآيات الكريمة؛ أن القيادات العسكرية مكلفة بزرع حالة الاستهانة لدى الشعب بالعدو، في الوقت الذي تقوم فيه القيادة بعملية التقييم الواقعي لقوة العدو دون أن تضخم وتبالغ، لئلا تصاب الجماهير بهزيمة نفسية. فبدلًا من ذلك، على هذه القيادة أن تزرع الأمل والحيوية والنشاط في نفوس الجماهير لمواجهة العدو، وهذا هو ما فعله القرآن الكريم، إذ تقول الآية الكريمة صراحة: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ((الانفال/43)
فلو كان التهويل والتضخيم قد حدثا، لسرت بعض الشائعات في الجيش الاسلامي بعدم القدرة على مواجهة العدو، وضرورة العودة الى المدينة. ولكن المسلمين عندما بدا لهم أن العدو قليل العدد اندفعوا للقتال، وحاربوا الكفار بكل عزم واصرار حتى حققوا الانتصار عليهم. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (وَلكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(.(الانفال/43-44)