فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 1236

وقال السيد رحمه الله (1) :

إن مثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي ، تفتل غزلها ثم تنقضه وتتركه مرة أخرى قطعًا منكوثة ومحلولة! وكل جزئية من جزيئات التشبيه تشي بالتحقير والترذيل والتعجب . وتشوه الأمر في النفوس وتقبحه في القلوب . وهو المقصود . وما يرضى إنسان كريم لنفسه أن يكون مثله كمثل هذه المرأة الضعيفة الإرادة الملتاثة العقل ، التي تقضي حياتها فيما لا غناء فيه!

وكان بعضهم يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأن محمدًا ومن معه قلة ضعيفة ، بينما قريش كثرة قوية . فنبههم إلى أن هذا ليس مبررًا لأن يتخذوا أقسامهم غشًا وخديعة فيتخلوا عنها: { تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة } أي بسبب كون أمة أكثر عددًا وقوة من أمة . وطلبًا للمصلحة مع الأمة الأربى .

ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهد تحقيقًا لما يسمى الآن « مصلحة الدولة » فتعقد دولة معاهدة مع دولة أو مجموعة دول ، ثم تنقضها بسبب أن هناك دولة أربى أو مجموعة دول أربى في الصف الآخر ، تحقيقًا « لمصلحة الدولة » ! فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر ، ويجزم بالوفاء بالعهد ، وعدم اتخاذ الأيمان ذريعة للغش والدخل . ذلك في مقابل أنه لا يقر تعاهدًا ولا تعاونًا على غير البر والتقوى . ولا يسمح بقيام تعاهد أو تعاون على الإثم والفسوق والعصيان ، وأكل حقوق الناس ، واستغلال الدول والشعوب . . وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية فنعم العالم بالطمأنينة والثقة والنظافة في المعاملات الفردية والدولية يوم كانت قيادة البشرية إلى الإسلام .

والنص هنا يحذر من مثل ذلك المبرر ، وينبه الى قيام مثل هذه الحالة: { أن تكون أمة هي أربى من أمة } هو ابتلاء من الله لهم ليمتحن إرادتهم ووفاءهم وكرامتهم على أنفسهم وتحرجهم من نقض العهد الذي أشهدوا الله عليه: { إنما يبلوكم الله به } :

ثم يكل أمر الخلافات التي تنشب بين الجماعات والأقوام إلى الله في يوم القيامة للفصل فيه: { وليبيِّنن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } يمهد بهذا لترضية النفوس بالوفاء بالعهد حتى لمخالفيهم في الرأي والعقيدة: { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون } . . ولو شاء الله لخلق الناس باستعداد واحد ، ولكنه خلقهم باستعدادات متفاوتة ، نسخًا غير مكررة ولا معادة ، وجعل نواميس للهدى والضلال ، تمضي بها مشيئته في الناس ، وكل مسؤول عما يعمل . فلا يكون الاختلاف في العقيدة سببًا في نقض العهود .

فالاختلاف له أسبابه المتعلقة بمشيئة الله . والعهد مكفول مهما اختلفت المعتقدات . وهذه قمة في نظافة التعامل ، والسماحة الدينية ، لم يحققها في واقع الحياة إلا الإسلام في ظل هذا القرآن .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 486)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت