وقال السيد رحمه الله (1) :
هنا يسدل الستار على هذا المشهد ليرفع على مشهد السحرة يحشدون , والناس يجمعون للمباراة , وتبث فيهم الحماسة للسحرة ومن خلفهم من أصحاب السلطان ; وتهيأ أرض المباراة بين الحق والباطل , أو بين الإيمان والطغيان .
(فجمع السحرة لميقات يوم معلوم . وقيل للناس:هل أنتم مجتمعون , لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ?) . . وتظهر من التعبير حركة الإهاجه والتحميس للجماهير: (هل أنتم مجتمعون , لعلنا نتبع السحرة) هل لكم في التجمع وعدم التخلف عن الموعد , ليترقب فوز السحرة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي ! والجماهير دائما تتجمع لمثل هذه الأمور , دون أن تفطن إلى أن حكامها الطغاة يلهون بها ويعبثون , ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات والتجمعات , ليلهوها عما تعاني من ظلم وكبت وبؤس . وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المباراة بين السحرة وموسى عليه السلام !
ثم يجيء مشهد السحرة بحضرة فرعون قبل المباراة ; يطمئنون على الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين ; ويتلقون من فرعون الوعد بالأجر الجزيل والقربى من عرشه الكريم !
فلما جاء السحرة قالوا لفرعون:أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين ? قال:نعم , وإنكم لمن المقربين . .
وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرغون الطاغية ; تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره ; ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية , ولا شيء سوى الأجر والمصلحة . وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائما في كل مكان وفي كل زمان .
وها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع . وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر . يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه . وهو بزعمه الملك والإله !
ثم إذا مشهد المباراة الكبرى وأحداثه الجسام:
(قال لهم موسى:ألقوا ما أنتم ملقون . فألقوا حبالهم وعصيهم , وقالوا:بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون:فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون , فألقي السحرة ساجدين . قالوا:آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون . قال:آمنتم له قبل أن آذن لكم ! إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون . لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف , ولأصلبنكم أجمعين . قالوا:لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون . إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) . .
ويبدأ المشهد هادئا عاديا . إلا أنه يشي منذ البدء باطمئنان موسى إلى الحق الذي معه ; وقلة اكتراثه لجموع السحرة المحشودين من المدائن , المستعدين لعرض أقصى ما يملكون من براعة , ووراءهم فرعون وملؤه , وحولهم تلك الجماهير المضللة المخدوعة . . يتجلى هذا الاطمئنان في تركه إياهم يبدأون:
(قال لهم موسى:ألقوا ما أنتم ملقون) . .
وفي التعبير ذاته ما يشي بالاستهانة: (ألقوا ما أنتم ملقون) . . بلا مبالاة ولا تحديد ولا اهتمام .
وحشد السحرة أقصى مهارتم وأعظم كيدهم وبدأوا الجولة باسم فرعون وعزته:
(فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا:بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) . .
ولا يفصل السياق هنا ما كان من أمر حبالهم وعصيهم , كما فصله في سورة الأعراف وطه , ليبقى ظل الطمأنينة والثبات للحق , وينتهي مسارعا إلى عاقبة المباراة بين الحق والباطل ; لأن هذا هو هدف السورة الأصيل .
(فألقى موسى عصاه , فإذا هي تلقف ما يأفكون) . .
ووقعت المفاجأة المذهلة التي لم يكن يتوقعها كبار السحرة ; فلقد بذلوا غاية الجهد في فنهم الذي عاشوا به وأتقنوه ; وجاءوا بأقصى ما يملك السحرة أن يصنعوه . وهم جمع كثير . محشود من كل مكان . وموسى وحده وليس معه إلا عصاه . ثم إذا هي تلقف ما يأفكون ; واللقف أسرع حركة للأكل . وعهدهم بالسحر أن يكون تخييلا , ولكن هذه العصا تلقف حبالهم وعصيهم حقا . فلا تبقي لها أثرا . ولو كان ما جاء به موسي سحرا , لبقيت حبالهم وعصيهم بعد أن خيل لهم وللناس أن حية موسى ابتلعتها . ولكنهم ينظرون فلا يجدونها فعلا !
عندئذ لا يملكون أنفسهم من الإذعان للحق الواضح الذي لا يقبل جدلا . وهم أعرف الناس بأنه الحق:
(فألقي السحرة ساجدين . قالوا:آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون) . .
وهم قد كانوا منذ لحظة مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم , ولم يكونوا أصحاب عقيدةولا قضية . ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلا . لقد كانت هزة رجتهم رجا , وخضتهم خضا ; ووصلت إلى أعماق نفوسهم وقرارة قلوبهم , فأزالت عنها ركام الضلال , وجعلتها صافية حيه خاشعة للحق , عامرة بالإيمان , في لحظات قصار . فإذا هم يجدون أنفسهم ملقين سجدا , بغير إرادة منهم , تتحرك ألسنتهم , فتنطلق بكلمة الإيمان , في نصاعة وبيان: (آمنا برب العالمين . رب موسى وهارون) .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 350)