قال تعالى: { و من الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين } [ الحج: 11 ] .
قال الإمام الغزالي رحمه الله: قال عيسى عليه السلام: لا يكون عالمًا من لم يفرح بدخول المصائب و الأمراض عليه لما يرجوه في ذلك من كفارة خطاياه .اهـ .
و يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله ( ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء ) [ من كتاب المحن ، لأبي العرب التميمي ، ص: 283 ] .
فلينظر امرؤٌ أن يضع قدمه ، فإن الأرض مزلة مزلقة ، و الموفق من ثبته الله حتى يلقاه ، و ما من عبدٍ لله طوعًا أو كرهًا إلا و هو معرّضٌ لأن يُبتلى فيما آتاه الله من أوجه النعماء ، قال تعالى: = { ليبلوكم فيما آتاكم } [ المائدة: 48 ] ، فما أوتي أحد نعمة إلا كانت ابتلاء له و اختبارًا لشكره أو صبره .
فالغني يبتلى بغناه و الفقير يبتلى بفقره .
و القوي يبتلى بقوته و الضعيف يبتلى بضعفه .
و العالم يبتلى بعلمه و الجاهل يبتلى بجهله .
و هكذا دواليك ...
كلنا مبتلى ، و إلى أقدارنا سائرون { فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [ آل عمران: 185 ] .
المحور الرابع: عوامل الثبات عند المُلِمَّات:
إن من لطف الله تعالى ؛ و { اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } [ الشورى: 19 ] أن لا يبتليهم إلا بما يطيقون ، و أن يلطف بهم فيما ابتلاهم به ، فيعينهم و يثبتهم ، على ما يرضيه عنهم و يرتضيه لهم .
و في دينه الذي ارتضاه لعباده من العوامل المساعدة على ثبات العباد على ضراوة الفتن و البلاء الشيء الكثير ، الذي لا يستصحبه عبد في شدّة إلا خفف عنه ، و ربط على قلبه ، و من هذه العوامل:
أوّلًا: التعرف على الله في الرخاء:
من كان مع الله كان الله معه بلا ريب ، كيف و لا جزاء للإحسان إلا بالإحسان ، و من تقرّب إلى الله شبرًا تقربّ إليه باعًا ، و من تقربّ إليه باعًا تقرّب إليه ذراعًا ، و من أتى ربّه ماشيًا أتاه ربُّه هرولة ، كما ثبت ذلك فيما رواه الشيخان و غيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال النبي: ( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، و إن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ، و إن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ، و إن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
قال الإمام الترمذي بعد أن روى هذا الحديث في سننه: و يروى عَن الأَعْمَشِ في تفسيرِ هَذَا الحَدِيثِ ( من تقرَّبَ منِّي شِبرًا تقرَّبتُ منهُ ذراعًا ) يعني: بالمغفرةِ و الرَّحمةِ ، و هكذا فسَّرَ بعضُ أهلِ العلمِ هَذَا الحَدِيثَ . قَالُوا: إنَّما معناهُ يقولُ: إذا تقرَّبَ إليَّ العبدُ بطَاعَتي و بما أَمَرْتُ تُسَارِعُ إليهِ مغفرتي و رَحْمَتِي .اهـ .
و روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال: كنت رديف النبي فقال: ( يا غلام أو يا غُلَيم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ ) فقلت: بلى ، فقال: ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة ، و إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، قد جف القلم بما هو كائن ؛ فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و إن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و اعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا ، و أن النصر مع الصبر ، و أن الفَرَجَ مع الكرب ، و أن مع العُسر يُسرًا ) .
و مما تقدم و نحوه يتبين لنا فضل الإقبال على الله في ساعات الرخاء ، و تتأكد ثمرة ذلك في ساعات الشدائد و البلاء ؛ حيث تتجلى مكافأة بالأولى ، و هو نصرة الله و تسديده و تثبيته لعبده حين يكون أحوج ما يكون إلى رحمة من يقول: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الحجر: 49 ]
ثانيًا: الإيمان بالقدر:
لا شيء يبعث على التسليم و الطمأنينة عند نزول القضاء مثل التسليم لله في قضائه و قدره ، و البعد عن التسخط و الضجر .
قال تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحديد: 22 ] .
فلا يكمل إيمان عبد و لا يستقيم حتى يؤمن بالقدر خيره و شرّه ، و يعرف أن من صفته تعالى أن يُقَّدر و يلطف ، و يبتلي و يخفف ، و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } [ يوسف: 100 ] .