فهرس الكتاب

الصفحة 1081 من 1236

ويبتلى المرء على قدر دينه , كلما اشتد إيمانه عظم ابتلاؤه , حتى يخلص من شرور نفسه وسيئات أعماله , ويطهر طيب نفسه بكير الامتحان , كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بكير النيران , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاء الأنبياء , ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه , فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه , وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه , فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشيي على الأرض ما عليه من خطيئة ) صحيح -أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وغيرهم عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه .

ولذلك , فالمؤمن ينظر إلى الابتلاء أنه نعمة ورحمة من الله على عباده , يتعهدهم بالابتلاء المرة بعد المرة , لينقيهم , ويطهرهم , ويذهب عنهم رجز الشيطان , ويربط على قلوبهم , ويثبت به الأقدام

وكذلك ينظر إليه أنه دليل رضى ومحبة من الله لعباده , فإن الله إذا أحب عبدا ابتلاه , وكلما صلب إيمان المرء وقوي يقينه , اشتد بلاؤه , فمن رضي , فله الرضى , والعكس بالعكس .

2-الابتلاء سنة من سنن الله الجارية في الأمم الخالية:

قال تعالى: ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) العنكبوت 3

3-الابتلاء مقدمة التمكين:

لما كان الابتلاء ضرورة إيمانية , فإن المؤمن يحصل له الألم ابتداء , ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة , وسئل الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى ؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى .

وقد ابتلى الله المؤمنين , فلما صبروا مكّنهم في الأرض وستخلفهم: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآيآتنا يوقنون ) السجدة 24 .

فلا يظن عاقل أن أحدا يخلص من الألم ألبته , وإنما يتفاوت أهل الألم في العقول , فأوسطهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم منقطع يسير , ثم تعقبه لذة في الدنيا والآخرة .

وكما أن الابتلاء سنة جارية , كذلك التمكين والاستخلاف , كما قال تعالى: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) النور 55 .

4-عدم استعجال التمكين واستدعاء البلاء:

المؤمن يتأنى في الأمور , وينظر في عواقبها , لأن الفقيه من نظر العواقب , ولم تستفزه البداءات , ولذلك , فهو لا يستعجل التمكين وإن جاشت عاطفته , وغلبت حماسته , لأنه يعلم أنه لا بد من ابتلاء ابتداء , وهو لا يتمنى الابتلاء ولا يستدعيه , لأن في طياته فتنة مجهولة العواقب لا يدري الإنسان أيثبت أم ينكص على عقبيه ؟ عياذا بالله .

ويدل على ذلك الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , التي يسأل الله فيها العفو والعافية والمعافاة ... من البلاء والابتلاء .

وكذلك الأحاديث التي فيها النهي عن تمني لقاء العدو , أو المرض وغير ذلك من البلاء .

عن حذيفة رضي الله عنه قال: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه . قالوا: وكيف يذل نفسه ؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق . (1)

....واعلم أيها الأخ المحب , لا زلت موصولا بما تحب: أن فقه هذه المسألة مداره على حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة . قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا ؟.

قال:( كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض , فيجعل فيها , فيجاء بالمنشار , فيوضع على رأسه , فيشق باثنتين , وما يصده ذلك عن دينه , ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب , وما يصده ذلك عن دينه .

والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه , ولكنكم تستعجلون )أخرجه البخاري .

وبيان ذلك:

أ- إخباره عن ابتلاء مؤمني الأمم الماضية يشير إلى أنه ضرورة إيمانية , وأنه سنة جارية في المؤمنين على مر العصور .

ب- إخباره بانتشار الدين وانتصاره يدل على أن الابتلاء مقدمة التمكين , وأن المؤمن لا يمكن حتى يبتلى .

ت- قوله: ( ولكنكم تستعجلون ) تحذير من استعجال التمكين قبل النضوج واستدعاء البلاء .

والله أعلى وأعلم وأعز وأكرم .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

1-حسن لغيره - أخرجه الترمذي وابن ماجه واحمد والبغوي وابو الشيخ في (( الامثال ) )والقضاعي في (( الشهاب ) )وإسناده ضعيف , لأن علي بن زيد بن جدعان ضعيف , والحسن البصري مدلس , وقد عنعنه .

وله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه الطبراني في الكبير والاوسط , والبزار في مسنده وابوالشيخ في الامثال . قلت: فالحديث حسن لغيره , والله أعلم . ))

والحمد لله رب العالمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت