لذا فاعلم يا عبد الله أنه إنَّما ابتلاك الذي أنعم عليك، وأخذ منك الذي أغدق عليك. وليس كل ما تكرهه نفسك فهو مكروه على الحقيقة، ولا كل ما تهواه نفسك فهو نافع محبوب، والله يعلم وأنت لا تعلم.
لئن كان بعض الصبر مُرًّا مذاقُه... فقد يُجتنى من بعده الثمرُ الحلوُ
يقول بعض السلف:"إذا نزلت بك مصيبة فصبرت، كانت مصيبتك واحدة. وإن نزلت بك ولم تصبر، فقد أُصبت بمصيبتين: فقدان المحبوب، وفقدان الثواب". ومصداق ذلك من كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {وَمِنَ الناسِ مَن يَعبُدُ اللهَ عَلَى حَرفٍ فَإِن أَصَابَهُ خَيرٌ اطمَأَن بِهِ وَإِن أَصَابَتهُ فِتنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجهِهِ خَسِرَ الدنيَا وَالآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الخُسرانُ المُبِينُ} . [الحج: 11 ] .
كُن في أمورك مُعرضًا وكل الأمور إلى القَضَا
وأبشِر بخيرٍ عاجلٍ تنسى به ما قد مضى
فلرُبَّ أمرٍ مسخطٍ لك في عواقبه الرضا
رابعًا: محطة تمحيص وتكفير:
نعم، الابتلاء محطة نتوقف فيها برهة من الزمن فإذا بأدران الذنوب والمعاصي تتحاتّ منا كما يتحات ورق الشجر؛ إذ المؤمن يُثاب على كل ضربة عرق، وصداع رأس، ووجع ضرس، وعلى الهم والغم والأذى، وعلى النَصَب والوَصَب يصيبه، بل وحتى الشوكة يشاكها. وفي الحديث:"ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ - وهما المرض والتعب - ولا همٍ ولا حزنٍ ولا غمٍ ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه" [ متفق عليه ] .
فالأجر ثابت يا عبد الله، على كل ألمٍ نفسي أو حسي يشعر به المؤمن إذا صبر واحتسب. فقد جاء في كتب السنة"أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب رضي الله عنها، فقال لها: ما لكِ تزفزِفين ؟ قالت: الحمى لا بارك الله فيها. فقال: لا تسبي الحمى فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" [ رواه مسلم ] . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما من مسلم يصيبه أذى من مرضٍ فما سواه إلا حطَّ الله تعالى به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" [ متفق عليه ] . فهنيئًا للصابرين المحتسبين.
خامسًا: رفعةٌ للدرجات وتبوُّؤ لمنازل الجنات:
إن البلاء يعتري المسلم فيمحو منه - بإذن الله- أدران الذنوب والمعاصي إن كان مذنبًا مخطئًا - وكل ابن آدم خطَّاء كما مرَّ معك - وإن لم يكن كذلك فإن البلاء يرفع درجاته ويبوِّئه أعلى المنازل في الجنة. وقد جاء في الحديث أن الله عز وجل يقول لملائكته إذا قبضوا روح ولد عبده:"قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي ؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمُّوه بيت الحمد" [ رواه أحمد وحسنه الألباني ] . ويقول سبحانه في الحديث القدسي:"ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" [ رواه البخاري ] .
بل ترفع درجات المؤمن حينما يُبتلى بما هو أقل من ذلك، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مسلم يُشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة" [ رواه مسلم ] .
إذًا هي درجة تلو درجة ليبلِّغه الله منزلته في الجنة، والتي يكون تبليغه إياها بفضل الله، ثم بفضل صبره على البلاء، والله عز وجل يقول: {إنمَا يُوَفى الصابِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ} . [ الزمر: 10] .
عَطِيَّتُه إذا أعطى سرورٌ وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأيُّ النعمتين أعمٌّ فضلًا وأحمد في عواقبها إيابا
أنِعمتُه التي أهدت سرورًا أم الأخرى التي أهدت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بكرهٍ أحقُّ بشكرِ مَن صبر احتسابا
سادسًا: علامة حب ورأفة:
إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مرًا إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح:"إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء،وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] .
يقول ابن القيم رحمه الله:"إنَّ ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه لأهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به إلى تمام الأجر وعلو المنزلة …"إلى آخر ما قال.
ولا شك - أخي الحبيب-أنَّ نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة. وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة" [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] . وبيَّنأهل العلم أن الذي يُمسَك عنه هو المنافق، فإن الله يُمسِك عنه في الدنيا ليوافيه بكامل ذنبه يوم القيامة - عياذًا بالله.
سابعًا: دروس وذكرى:
في البلاء دروسٌ لا يمكن أن نأخذها من غيره أبدًا وهي من حِكَم البلاء- ومن أهمها ما يلي: