أما عن التأكد من قبول التوبة؛ فيرى فيها الأستاذ عماد حسين المدرس المساعد بجامعة الأزهر أن هذا يأتي عن طريق الثقة بالله تعالى، متى تقدم العبد بذل بين يديه، عارفا بمقام الربوبية، معترفا بذنبه، والثاني: الاستمرار على التوبة، والطمع في كرم الله تعالى وفضله.
أما عن رد الحقوق لأهلها كسبيل للتوبة، فإن كان في المقدور رده وجب رده، أو إقناع الغير برده، وإلا فليجتهد التائب في إهداء الأعمال الصالحة والإحسان لذويهم وأولادهم إن كانوا قد انتقلوا للدار الآخرة، أو الإحسان لهم إن كان رد الحق لهم أو طلب المغفرة منهم يؤدي لضرر أكبر، على أن يكون هذا الضرر يقينيا، ويحكم به رجل من أهل التقوى والعلم والحكمة، لا أن يكون من تزيين النفس أو خشية الناس.
ويطالعنا عبد العزيز، وهو طالب جامعي بشكل رابع في التوبة، وهو عدم الاستمرار على التوبة؛ فهو يطيع الله فترة، ويعصي فترة أخرى، وقد رأى في نفسه التزاما كبيرا خلال فترة الثانوية، ويخبر عن نفسه أنه يحب الالتزام جدا، لكنه يقع في المعصية.
وكانت إجابة الأستاذ همام عبد المعبود المحرر الشرعي بالموقع أن الإنسان يمر بفترات ضعف، وهذه طبيعة إنسانية؛ فيجب ألا ننزعج من هذا، كما أشار للسائل عن فترة الثانوية، وأنها فترة تقلب، مع إقبال الشباب على الطاعة، ولمس في نفس السائل منبتا إيمانيا جميلا حيث قال له:"وقد اطمأن قلبي لقولك: يعلم الله أني أحب الالتزام بشرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقولك: حنيت إلى أيام الالتزام؛ فهي كلمات لا تخرج إلا من قلب مسلم راغب في العودة إلى ربه".
ثم ختم له ببعض الوصايا العملية، من الثقة بالله، والمحافظة على الصلاة والنوافل، وملازمة الصالحين من أصحابه، وأن ينوع من عباداته وطاعاته؛ حتى يجد في نفسه ما يحب من الطاعة.
الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي
كثير من الناس لا يكادون يعرفون من المعاصي والذنوب إلا ما يدركه الحس، وما يتعلق بالجوارح الظاهرة، من معاصي الأيدي والأرجل، والأعين والآذان، والألسنة والأنوف، ونحوها مما يتصل بشهوتي البطن والفرج، والغرائز الدنيا للإنسان.
ولا يكاد يخطر ببال هؤلاء: الذنوب والمعاصي الأخرى التي تتعلق بالقلوب والأفئدة، والتي لا تدخل -فيما تراه الأبصار- أو تسمعه الآذان، أو تلمسه الأيدي، أو تشمه الأنوف، أو تتذوقه الألسنة.
معاصي الجوارح
في القسم الأول تقع معاصي العين من النظر إلى ما حرم الله من العورات، ومن النساء غير المحارم.
ومعاصي الأذن من الاستماع إلى ما حرم الله من آفات اللسان؛ فالمستمع شريك المتكلم.
ومعاصي اللسان من الكلام بما حرم الله من الآفات التي بلغ بها الإمام الغزالي عشرين آفة؛ من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية واليمين الفاجرة والوعد الكاذب والخوض في الباطل والكلام فيما لا يعني وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات وشهادة الزور والنياحة واللعن والسب... إلخ.
ومعاصي اليد من البطش والضرب بغير حق، والقتل، ومصافحة أعداء الله، وكتابة ما لا يجوز كتابته، مما يروج الباطل أو يشيع الفاحشة، وينشر الفساد.
ومعاصي الرجل من المشي إلى معصية الله، وإلى زيارة ظالم أو فاجر، ومن السفر في إثم وعدوان.
ومعاصي الفرج من الزنى وعمل قوم لوط، وإتيان امرأته في دبرها، أو في المحيض، وهو أذى كما قال الله.
ومعاصي البطن من الأكل والشرب مما حرم الله، مثل أكل الخنزير، وشرب الخمر، وتعاطي المخدرات، وتناول التبغ (التدخين) وأكل المال الحرام من الربا، أو الميسر، أو بيع المحرمات، أو الاحتكار، أو قبول الرشوة أو غيرها من وسائل أكل مال الناس بالباطل.
المعاصي المهلكة
وهذه الأعمال كلها محرمات ومعاص معلومة، وبعضها يعتبر من عظائم الآثام، وكبائر الذنوب، ولكنها جميعًا تدخل في المعاصي الظاهرة، أو معاصي الجوارح، أو ظاهر الإثم، والمسلم مأمور أن يجتنب ظاهر الإثم وباطنه جميعًا، كما قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} (الأنعام: 120) .
بل إن المعاصي الباطنة أشد خطرًا من المعاصي الظاهرة، وبعبارة أخرى: معاصي القلوب أشد خطرًا من معاصي الجوارح، كما أن طاعات القلوب أهم وأعظم من طاعات الجوارح؛ حتى إن أعمال الجوارح كلها لا تقبل إلا بعمل قلبي، وهو النيِّة والإخلاص.
ونقصد بمعاصي القلوب ما كانت آلته القلب؛ مثل: الكبر، والعجب، والغرور، والرياء، والشح، وحب الدنيا، وحب المال والجاه، والحسد، والبغضاء، والغضب... ونحوها مما سماه الإمام الغزالي في"إحيائه": المهلكات، أخذًا من الحديث الشريف:"ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه".
وإنما اشتد خطر هذه المعاصي والذنوب لعدة أمور: