بل الأخرى وإن نزلت بكرهٍ أحقُّ بشكرِ مَن صبر احتسابا
سادسًا: علامة حب ورأفة:
إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مرًا إلا أنَّك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح:"إنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء،وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] .
يقول ابن القيم رحمه الله:"إنَّ ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه لأهلكته أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به إلى تمام الأجر وعلو المنزلة …"إلى آخر ما قال.
ولا شك - أخي الحبيب-أنَّ نزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة. وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة" [ رواه الترمذي وصححه الألباني ] . وبيَّنأهل العلم أن الذي يُمسَك عنه هو المنافق، فإن الله يُمسِك عنه في الدنيا ليوافيه بكامل ذنبه يوم القيامة - عياذًا بالله.
سابعًا: دروس وذكرى:
في البلاء دروسٌ لا يمكن أن نأخذها من غيره أبدًا وهي من حِكَم البلاء- ومن أهمها ما يلي:
الدرس الأول: أنَّ البلاء - أخي المسلم - درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل، يطلعك عمليًا على حقيقة نفسك لتعلم أنك عبد ضعيف لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء، والعجب والغرور والغفلة، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه.
الدرس الثاني: أن البلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور، وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا،في حياة لا مرض فيها ولا تعب: {وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ} . [ العنكبوت: 64] .
أما هذه الدنيا فنكد وجهد وكبد: {لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ} . [البلد: 4] .
فهذا شأن الدنيا فبينما هي مُقبلة إذا بها مدبرة، وبينما هي ضاحكة إذا بها عابسة. فما أسرع العبوس من ابتسامتها، و ما أسرع القطع من وصلها، وما أسرع البلاء من نعمائها.
فهذه طبيعتها، ولكنك تنسى - أخي الحبيب - فيأتي البلاء فيذكرك بحقيقتها؛ لتستعد للآخرة، ويقول لك:
فاعمل لدارٍ غدًا رضوانُ خازنها الجارُ أحمدُ والرحمنُ بانيها
قصورها ذهبٌ والمسك تربتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها
الدرس الثالث: أنَّ البلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالعافية. فإنَّ هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان وأصرح برهان معنى العافية التي كنت تمتعت بها سنين طويلة، ولم تتذوق حلاوتها ولم تقدِّرها حق قدرها. وصدق من قال:"الصحة تاجٌ على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى". ومَن غير المبتلى يعرف أنَّ الدنيا كلمة ليس لها معنىً إلا العافية ؟.
الدرس الرابع: أن البلاء يذكِّرنا، فلا نفرح فرحًا يطغينا، ولا نأسى أسىً يفنينا. فإن الله عز وجل يقول: {مَا أَصَابَ مِن مصِيبَةٍ في الأرضِ وَلاَ في أَنفُسِكُم إِلا في كِتابٍ من قَبلِ أَن نبرَأَهَا إِن ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (22) لكَيلاَ تَأسَوا عَلَى مَا فَاتَكُم وَلاَ تَفرَحُوا بِمَا آتاكُم وَاللهُ لاَ يُحِب كُل مُختَالٍ فَخُورٍ} . [ الحديد: 22-23 ] .
الدرس الخامس: أنَّ البلاء يذكرك بعيوب نفسك لتتوب منها، والله عز وجل يقول: {وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ } . [النساء: 79] . ويقول سبحانه: {وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ} . [الشورى: 30] .
فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر، فإنَّ الله تعالى يقول: {وَلَنُذِيقَنهُم منَ العَذَابِ الأدنَى دُونَ العَذَابِ الأكبَرِ لَعَلهُم يَرجِعُونَ} . [ السجدة: 21 ] . والعذاب الأدنى هو نكد الدنيا ونغصها.
الدرس السادس: أنَّ البلاء درس تربوي عملي يربينا على الصبر. وما أحوجنا إلى الصبر في كل شيء. فلن نستطيع الثبات على الحق إلاَّ بالصبر على طاعة الله، ولن نستطيع البعد عن الباطل إلاَّ بالصبر عن معصية الله، ولن نستطيع السير في مناحي الحياة إلاَّ بالصبر على أقدار الله المؤلمة. وما أجمل الصبر في ذلك كله، فهو زادنا إلى جنة الخلد والرضوان. قال سبحانه وتعالى: {وَمَا يُلَقاهَا إِلا الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقاهَا إِلا ذُو حَظ عَظِيمٍ} . [ فصلت: 35 ] .
وختامًا لهذه الدروس، أظنُّك - أخي الحبيب - توافقني الرأي بأنَّ هذه الدروس الستة، لا يمكن أن نأخذها من غير بلاء؛ إذ هي من قبل أن نُصَاب بالبلاء لا تعدو أن تكون حبرًا على ورق، أو كلامًا نظريًا يطير به الهوى، فإذا نزل بنا البلاء واجتزناه بنجاح صارت واقعًا عمليًا نعيشه،وهذا من حِكَم البلاء.
قصص وعبر: