فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 1236

وعندما تم حفر الخندق أقبلت جنود المشركين وتسمّوْا بالأحزاب لأنهم عدة قبائل تحزبوا ، أي: صاروا حِزبًا واحدًا ، وانضمّ إليهم بنو قريظة فكان ورود قريش من أسفل الوادي من جهة المغرب ، وورود غطفان وهوازنَ من أعلى الوادي من جهة المشرق ، فنزل جيش قريش بمجتمع الأسيال من رُومَة بين الجُرف وزُغَابة بزاي معجمة مضمومة وغين معجمة وبعضهم يرويه بالعين المهملة وبعضهم يقول: والغابة ، والتحقيق هو الأول كما في «الروض الأنف» ، ونزل جيش غطفان وهوازن بذَنَب نَقْمَى إلى جانب أُحُد ، وكان جيش المسلمين ثلاثة آلاف؛ وخرج المسلمون إلى خارج المدينة فعسكروا تحت جبل سَلْع وجعلوا ظهورهم إلى الجبل والخندقُ بينهم وبين العدوّ ، وجعل المسلمون نساءهم وذراريهم في آطام المدينة . وأمَّر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم ، ودام الحال كذلك بضعًا وعشرين ليلة لم تكن بينهم فيها حرب إلا مصارعة بين ثلاثة فرسان اقتحموا الخندق من جهة ضيقة على أفراسهم فتقاتلوا في السبخة بين الخندق وسلْع وقُتل أحدهم قتلَه علي بن أبي طالب وفرّ صاحباه ، وأصاب سهمٌ غرْب سعد بن معاذ في أكْحله فكان منه موته في المدينة . ولحقت المسلمين شدّة من الحصار وخوف من كثرة جيش عدوّهم حتى همّ النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصالح الأحزاب على أن يعطيهم نصف ثمر المدينة في عامهم ذلك يأخذونه عند طيبه وكاد أن يكتب معهم كتابًا في ذلك ، فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقال سعد بن معَاذ: قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بَيْعًا ، أفحين أكرَمَنا الله بالإسلام وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عزم عليه .

وأرسل الله على جيش المشركين ريحًا شديدة فأزالت خيامهم وأكْفأت قدورَهم وأطفأت نيرانهم ، واختلّ أمرهم ، وهلك كراعهم وخُفهم ، وحدث تخاذل بينهم وبين قريظة وظنت قريش أن قريظة صالحت المسلمين وأنهم ينضمون إلى المسلمين على قتال الأحزاب ، فرأى أهل الأحزاب الرأي في أن يرتحلوا فارتحلوا عن المدينة وانصرف جيش المسلمين راجعًا إلى المدينة .

فقوله تعالى { إذ جاءتكم جنودٌ } ذُكر توطئة لقوله { فأرسلنا عليهم ريحًا } الخ لأن ذلك هو محلّ المِنّة . والريح المذكورة هنا هي ريح الصَّبا وكانت باردة وقلعت الأوتاد والأطناب وسفت التراب في عيونهم وماجت الخيل بعضها في بعض وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم . وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم « نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكتْ عاد بالدبور » . والجنود التي لم يروها هي جنود الملائكة الذين أرسلوا الريح وألقوا التخاذل بين الأحزاب وكانوا وسيلة إلقاء الرعب في نفوسهم .

وجملة { وكان الله بما تعملون بصيرًا } في موقع الحال من اسم الجلالة في قوله { نعمة الله } وهي إيماء إلى أن الله نصرهم على أعدائهم لأنه عليم بما لقيه المسلمون من المشقة والمصابرة في حفر الخندق والخروج من ديارهم إلى معسكرهم خارج المدينة وبذلهم النفوس في نصر دين الله فجازاهم الله بالنصر المبين كما قال { ولينصُرَنّ الله مَنْ ينصره } [ الحج: 40 ] .

وقرأ الجمهور { بما تعملون بصيرًا } بتاء الخطاب . وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة ومحملها على الالتفات .

والجنود الأوُّل جمع جند ، وهو الجمع المتّحد المتناصر ولذلك غلب على الجمع المجتمع لأجل القتال فشاع الجند بمعنى الجيش . وذكر جنود هنا بلفظ الجمع مع أن مفرده مؤذن بالجماعة مثل قوله تعالى { جندٌ مَّا هنالك مهزوم من الأحزاب } [ ص: 11 ] فجمعه هنا لأنهم كانوا متجمعين من عدة قبائل لكل قبيلة جيش خرجوا متساندين لغزو المسلمين في المدينة ، ونظيره قوله تعالى: { فلما فصل طالوت بالجُنود } في سورة البقرة ( 249 ) .

والجنود الثاني جمع جند بمعنى الجماعة من صنف واحد . والمراد بهم ملائكة أُرسِلوا لِنَصْر المؤمنين وإلقاء الرعب والخوف في قلوب المشركين . { إذ جاءوكم } بدل من { إذ جاءتكم جنود } [ الأحزاب: 9 ] بدلَ مفصَّل من مجمل . والمراد ب ( فوق ) و { أسفل } فوق جهة المدينة وأسفلها .

و { وإذا زاغت الأبصار } عطف على البدل وهو من جملة التفصيل ، والتعريف في الأبصار والقلوب والحناجر للعهد ، أي: أبصار المسلمين وقلوبهم وحناجرهم ، أو تجعل اللام فيها عوضًا عن المضافات إليها ، أي: زاغت أبصاركم وبلغت قلوبكم حناجركم .

والزَيغ: الميل عن الاستواء إلى الانحراف . فزيغ البصر أن لا يرى ما يتوجه إليه ، أو أن يريد التوجه إلى صوب فيقع إلى صوب آخر من شدة الرعب والانذعار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت