سيِّدُ الأوّلين والآخرين، سيّد ولد آدم، أفضلُ خلق الله على الإطلاق محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، خاتم أنبياء الله ورسله، بعثه الله على حين فَترةٍ من الرسل واندراس من العلم إلى قومٍ ما أتاهم من نذير من قبله، وما طرق أسماعَهم نذيرٌ قبلَه، إلى قومٍ غارقين في وثنيَّتهم، غارقين في جهالاتهم وضلالاتهم، بدأهم بدعوةِ إيّاهم إلى كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله"، ليقولوها ويعمَلوا بمقتضاها، ويدَعوا تلك المعبوداتِ الباطلة، فما كان من قومه إلاّ أن وقفوا موقفَ العداء منه، فوصفوه بما هو بَراء منه، وما يعلمون في كنانة أنفسِهم براءته منه، قالوا عنه: الكذّاب والسّاحر والمجنون والشاعر والمفتري، وكلُّ ذاك باطل والله يقول: فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَاكِنَّ الظَّالِمِينَ بِئَايَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] .
ألحقوا الأذى به وبأتباعه من أقرَب الناس إليه أيضًا، وحاصَروه في الشِعب، وجرى ما جرى. خرج خارجَ مكّةَ عسى أن يجدَ من يسمَع رسالتَه ويقبَلها، فقوبِل بالتكذيب، ورماه سفهاؤُهم بالحجارة، فأدمَوا عقبَه، وملكُ الجبال يأتيه بأمر الله: أَأُطبق عليهم أخشبي مكة (3) [3] ؟ فيقول كلمتَه العظيمة: (( أتأنَّى بهم؛ لعلّ الله أن يخرجَ من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا ) ) (4) [4] ، فحقَّق الله له أمنيّتَه، وحقَّق الله له رَجاءَه، فما مات حتى انقادت له الجزيرة، وآمن به أهلُها، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
موسى بنُ عمران كليم الرحمن، أحدُ أولي العزم من الرسل، ولِد ذلك النبيّ الكريم في زمنٍ كان فرعونُ يقتُل الذكورَ من بني إسرائيل ويستحوِذ على النساء ويُبقيهن، وكان ذاك بلاءً عظيمًا، لكن قدرة الله فوق قدرة البشر كلِّهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليَمّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِى إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] .
التقَطه آلُ فرعون حقدًا عليه لكي يقتلوه، وإذا القدرة الربّانيةُ أن ألقى الله في قلب امرأةِ فرعونَ حبَّه ومودَّته، قالت لفرعون: لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [القصص:9] . تربَّى في بيت فرعونَ وعلى فراشه وفي نعمتِه، وفي قضاء الله ما لا يعلمه البشر.
أمره الله وأخاه أن يأتيَا فرعونَ، ذلك الطاغية الذي ادَّعى أنّه الربُّ الأعلى: أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] ، ليدعُوَاه إلى الله، وقال لهما: فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] . موسى عليه السلام عرف رهبةَ فرعونَ وطغيانَه، فقال الله: إِنَّنِى مَعَكُمَا [طه:46] ، فبيَّن الله له أنه معه ناصرُه ومؤيِّده.
ابتدأ دعوتَه لفرعون، يدعوه إلى الله، يدعو ذلك الطاغيةَ المتكبِّر الجبّار إلى الله وإلى توحيده، يدعو من يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ اله غَيْرِى [القصص:38] ، ليقول له: الله خالقك وخالق الخلق كلِّهم. استكبر وأبى، طلب آيةً تدلّ على صِدق موسى، فإذا العصا التي يحمِلها تحوَّلت بأمر الله حيَّةً تسعى، وإذا يدُه تنقلب بيضاءَ تحاكي الشمسَ في قوّة إضاءتها، ومع هذا فما ازداد إلاَّ طغيانا وكفرًا.
أقام موسى يدعو إلى الله ويطلب من فرعونَ أن يخلِّص بني إسرائيل من ظُلمه وطغيانه، والآيات والبراهينِ ترِدُ حينًا بعد حين، ولكن ذاك لاجٌّ في طغيانه وضلاله، وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ [يونس:101] . في زمنٍ كان السحرة لهم شأنهم، ولهم دورُهم في الدنيا، وفرعونُ يراهم قوَّتَه وجنده، ويراهم مَن يعتمد ويعوِّل عليهم في أموره كلِّها.
دَعا فرعونُ موسى للمناظرةِ والمجادَلة في يومٍ ليظهرَ من كان محِقًّا ممّن كان مبطلًا. جمع فرعونُ سحرتَه على اختلافهم وتنوُّعهم وكثرتهم، فأتوا بحبالهم وعصيِّهم، ومع موسى أخوه فقط. امتلأ الوادي بأولئك السحرة الذين رُغِّبوا ووعِدوا بأن يكونوا خاصَّةَ فرعونَ وجلساءه إن هم تغلَّبوا على موسى وحدَه، فكان أوّلَ الأمر يدَّعي أنه الربُّ الأعلى، والآن يتضعضَع أمره ويهين شأنُه حينما يطلُب المناظرةَ من موسى عليه السلام.
جمع السحرةُ كيدَهم، وجمعوا ما عندهم وما لديهم، فامتلأ الوادي بتلك الحبال والعصيّ التي في مرأى الإنسان أنها حيّاةٌ وأنها وأنها، أوجَس في نفسِه خيفةً موسى؛ بَشرٌ يخاف كما يخافُ سائرُ الناس، لكن اللهَ جل وعلا ثبَّت قلبَه وقوَّى يقينه: لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعْلَى وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:68، 69] . نعم، إنّ السحرَ أمام الحقِّ يتضاءل، وإنّ السحرَ أمام الوحي يتضاءل، وإنَّ السحرةَ إنما يعلوُ سِحرهم إذا فُقِد الوحي، وأمّا الوحيُ والإيمان فإنّه ضدٌّ للسَّحَرة وطغيانهم وضلالهم.