والزلزال: اضطراب الأرض ، وهو مضاعف زَلّ تضعيفًا يفيد المبالغة ، وهو هنا استعارة لاختلال الحال اختلالًا شديدًا بحيث تُخَيَّل مضطربة اضطرابًا شديدًا كاضطراب الأرض وهو أشدّ اضطرابًا للحاقه أعظم جسم في هذا العالم . ويقال: زُلْزِلَ فلان ، مبنيًا للمجهول تبعًا لقولهم: زُلزلت الأرض ، إذ لا يعرف فاعل هذا الفعل عُرفًا . وهذا هو غالب استعماله قال تعالى: { وزلزلوا حتى يقول الرسول الآية } [ البقرة: 214 ] .
والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقُهم عَددًا وعُدة . عطف على { وإذْ زاغتْ الأبصار } [ الأحزاب: 10 ] فإن ذلك كله مما ألحَق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين ، ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد ، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشدَّه يوم الأحزاب .
وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه عَلَنًا بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم فأوهموا بقولهم { ما وَعَدَنا الله ورسوله } الخ . . . أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله ، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغرّ عباده ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبْة الوعد إلى الله ورسوله تهكمًا كقول فرعون { إنّ رسولكم الذي أُرْسِل إليكم لمجنون } [ الشعراء: 27 ] .
والغرور: ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب ، وقد تقدم عند قوله تعالى: { لا يغرنّك تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد } في سورة آل عمران ( 196 ) ، وقوله تعالى: { زُخْرف القول غرورًا } في سورة الأنعام ( 112 ) . والمعنى: أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة وهم يعنون الوعد العام وإلاَّ فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يُرْوَ أنهم وُعدوا فيها بنصر . والذين في قلوبهم مرض هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمّمُوا عليه .
والمراد بالطائفة الذين قالوا: { يا أهل يثرب لا مقامَ لكم فارجعوا } عبدُ الله بن أبيِّ ابنُ سَلول وأصحابُه . كذا قال السدي . وقال الأكثر: هو أوس بن قَيظي أحدُ بني حارثة ، وهو والد عَرابة بن أوس الممدوح بقول الشمّاخ:
رأيت عرابةَ الأوْسيَّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
في جماعة من منافقي قومه . والظاهر هو ما قاله السُدّي لأن عبد الله بن أبَيّ رأس المنافقين ، فهو الذي يدعو أهل يثرب كلّهم .
وقوله { لا مقام لكم } قرأه الجمهور بفتح الميم وهو اسم لمكان القيام ، أي: الوجود . وقرأه حفص عن عاصم بضم الميم ، أي: محلّ الإقامة . والنفي هنا بمعنى نفي المنفعة فلما رأى هذا الفريق قلة جدوى وجودهم جعلها كالعدم ، أي لا فائدة لكم في ذلك ، وهو يروم تخذيل الناس كما فعل يوم أُحُد .
و { يثرب } : اسم مدينة الرسول ، وقال أبو عبيدة يثرب: اسم أرض والمدينة في ناحية منها ، أي: اسم أرض بما فيها من الحوائط والنخل والمدينة في تلك الأرض . سميت باسم يثرب من العمالقة ، وهو يثرب بن قانية الحفيد الخامس لإرَم بن سام بن نوح . وقد روي عن البراء بن عازب وابن عباس أن النبي نهى عن تسميتها يثرب وسماها طَابة .
وفي قوله { يا أهل يثرب لا مقام لكم } محسِّنٌ بديعيّ ، وهو الاتِزان لأن هذا القول يكون منه مصراع من بحر السريع من عَروضه الثانية المخبُولة المكشوفة إذ صارت مفعولات بمجموع الخبل والكشف إلى فَعَلن فوزنه مستفعلن مستفعلن فَعَلن .
والمراد بقوله { فريق منهم } جماعة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، وليسوا فريقًا من الطائفة المذكورة آنفًا ، بل هؤلاء هم أوس بن قيظي وجمع من عشيرته بني حارثة وكان بنو حارثة أكثرهم مسلمين وفيهم منافقون ، فجاء منافقوهم يعتذرون بأن منازلهم عورة ، أي: غير حصينة .
وجملة { ويستأذن فريق } عطف على جملة { قالت طائفة } ، وجيء فيها بالفعل المضارع للإشارة إلى أنهم يلِحُّون في الاستئذان ويكررونه ويجددونه .
والعورة: الثغر بين الجبلين الذي يتمكن العدو أن يتسرب منه إلى الحي ، قال لبيد:
وأجَنَّ عوراتتِ الثغورِ ظَلامُها ... والاستئذان: طلب الإذن وهؤلاء راموا الانخذال واستحيَوا . ولم يذكر المفسرون أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم . وذكر أهل السير أن ثمانين منهم رجعوا دون إذنه . وهذا يقتضي أنه لم يأذن لهم وإلا لما ظهر تميزهم عن غيرهم ، وأيضًا فإن في الفعل المضارع من قوله { يستأذن } إيماء إلى أنه لم يأذن لهم وستَعلم ذلك ، ومنازل بني حارثة كانت في أقصى المدينة قرب منازل بني سَلِمة فإنهما كانا حيين متلازمين قال تعالى: { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } [ آل عمران: 122 ] هما بنو حارثة وبنو سلمة في غزوة أُحُد . وفي الحديث: أن بني سَلِمة راموا أن ينقلوا منازلهم قرب المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم « يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم » أي خُطاكم . فهذا الفريق منهم يعتلُّون بأن منازلهم بعيدة عن المدينة وآطامها .