فهرس الكتاب

الصفحة 1198 من 1236

المرأة المسلمة التي نذرت نفسها لله، وبذلت حياتها في سبيله، تدرك أن طموحها عظيم ومطلبها ضخم، يتطلب قدرًا كبيرًا يناسب جلالته، من الصبر والإرهاق والمشاق"ألاْ إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

ومن هنا فإن المؤمنة الصادقة التي وضعت أولى خطواتها في طريق الدعوة، تدرك التبعات التي سوف تتحملها، والأذى الذي قد تتعرض له، والمضايقات التي قد تلاقيها، ومن ثم يتميز الصادق من الكاذب، والصابر من المتبرم الجازع، والماضي من المتردد.

والحديث الذي بين أيدينا اليوم فيه نموذج فذّ رائع للمرأة المسلمة التي تبتلى بسبب تمسكها بدينها وإصرارها عليه، فترضى، صابرة محتسبة، على أن تخرج من الدنيا بالموت، ولا تخرج من دينها. وتمر بمحنة عظيمة جسدية ونفسية تنخلع لها القلوب، فتصبر وتحتسب، وتنال بذلك رضى الله وجنته.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لما كانت الليلة التي أُسري بي فيها أتتْ عليّ رائحةٌ طيبةٌ، فقلتُ: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها. قال: قلتُ: وما شأنها؟ قال: بينا (أي بينما) هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المدرى (المشط) من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أخبرُه بذلك؟ قالت: نعم. فأخبرتُه، فدعاها فرعون، فقال: يا فلانة، وإن لكِ ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله. فأمر ببقرة من نحاس (قِدْر كبيرة واسعة) فأحميت، ثم أمر بها أن تلقى هي وأولادها فيها. قالت له: إن لي إليكَ حاجةً. قال: وما حاجتُك؟ قالت: أحبّ أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا! قال: ذلك لكِ علينا من الحق. فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مُرْضَع وكأنها تقاعست من أجله. قال: يا أماه، اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة".

امرأة ضعيفة تعمل خادمة في قصر ملك يصل به الطغيان إلى أن يخطب في قومه، معرّضًاَ بنبي الله موسى - عليه الصلاة والسلام -، قائلاًَ: كما أخبر بذلك القرآن الكريم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (الزخرف: 51-52) .

بل يزداد طغيانًا ويعلن بصلف على قومه، كما يحدّث القرآن الكريم: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (النازعات: 24) . ولكن ضعف المرأة الجسمي قوَّاه عمقُ إيمانها، وتدنِّيَ منزلتها الاجتماعية ارتفع به تساميها بعقيدتها. ثم هي لا ترضى أن تترك أمر دينها تسترًا؛ بل لا تبالي أن يصل ذلك إلى سمع الملك الطاغية المتأله.

وحين يستدعيها الطاغية تمشي إليه بثقة، وتقف بين يديه بقوة، وحين يسألها باستنكار وغلظة: وإن لكِ ربًا غيري؟ لا ينتابها تردد، ولا يعتريها ضعف، فإذا هي تخاطبه بقوة، لا لتخبره بأن ربها الله - سبحانه وتعالى- فحسب، بل لتطأ من كبريائه وتبين زيفه حين تقول: ربي وربك الله.

والماشطة وهي تجيب هذه الإجابة، وتقف هذا الموقف، لم يغب عنها بطشُ الطاغية وجبروته، فهاهو ذا الطاغية لا يفتح مجالًا للمناقشة، أو يبدأ محاولات الإقناع، فهو يخشى أن تكون هذه المرأة الضعيفة بداية خط التحرر من طغيانه، واكتشاف الحقيقة التي طالما حاول تغطيتها بالدعاوى الفارغة.

إنه يدعو بوسائل التعذيب البشعة المُعَدَّة لمن يسخط عليهم. إنها آلة قد جهد هو وزبانيته في تصميمها، لتكون أكثر إيلامًا فتجعل المِيْتة مِيْتات، وهذا هو الصمت المخيّم بين جلب آلة التعذيب الرهيبة (القِدْر النحاسية الواسعة) وبين الأمر بإلقاء المرأة وأولادها، يمر ثقيلًا رهيبًا، والطاغية الكبير لا يبالي أن يقتل أحدًا بذنب غيره، فهو يأمر بإلقاء الماشطة وأولادها داخل آلة التعذيب المرعبة الحامية.

ولا يكتفي من تلك المرأة الضعيفة أن تنتهي بتلك النهاية الموحشة، بل يحاول أن يوقع عليها كل ما يستطيعه من عذاب، خاصة وهو يرسل رسالة لكل من تحدّثه نفسه بالتوجه إلى غيره. ثم هو بما يحس به من العزة الكاذبة، لا يريد أن يَعْرِض عليها الرجوع، فهي عنده أحقر من ذلك، بل ليدع العذاب وحده بشدته وعنفه يجعلها ترجع ذليلة مهانة لتلثم رجليه، وتطلب مغفرته.

وأمام آلة التعذيب الرهيبة وهي في غاية ما تكون من الحرارة، يأمر بإلقاء أولادها واحدًا بعد الآخر.. أمام عينيها.. كم يتقطع قلبها وهي ترى الزبانية يحيطون بالواحد من أولادها بوحشية، ويحملونه بعنف ليلقوه في آلة القتل المتوهجة.. وصراخه لا ينقطع ودموعه تجري أنهارًا.. ولكن الدور ينتهي إلى طفل لها رضيع، ويرق قلب الأم رقة شديدة لهذا الطفل الرضيع، وتكاد تنهار وتتزحزح عن المبدأ، ويدركها الضعف البشري، ولكن الله - سبحانه وتعالى- يُنطِقُ ذلك الصبي، فإذا هو يقول بلسان واضح: يا أماه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت