إن مما لا شك فيه أن هناك ضعفًا في البشر لا يملكون أن يتخلصوا منه، وليس مطلوبٌ منهم أن يتجاوزوا حدود بشريتهم، غير أن المطلوب أن يستمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله في كل حين، وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم ثقافةً وأسرة وإعلامًا من الثوابت التي لا تتغير، ولا تخدَع بها النفس في موسمٍ ما دون غيره، كما أنها تمنعهم في الوقت نفسه بإذن الله من التساقط والتهالك، وتحرسهم من الفترة بعد الشرَّة مهما قلَّت مادامت هي على الدوام، فرسول الله يقول: (يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل) [رواه البخاري ومسلم] [5] .
ولأجل هذا-أيها المسلمون-، فإن هناك عبادات هي من الثوابت التي لا تتغير بعد رمضان، كالصلاة, والزكاة, والصدقة، وكذا الدعاء لنفسك ولمن أوصاك به ولإخوانك في الملة والدين من المعوزين والمستضعفين والمجاهدين، ناهيكم عن ثابت التوبة المطلوبة في كل حين وآن، والتي أمرنا الله بها في قوله: {وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وكان يتأولها النبي بقوله: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة) [6] .
إذا عرفت أيها المرء هذه الأمور كلها، فما عليك إلا أن تلزم، ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع أو علم، ولقد ذقت طعم العبادة في رمضان ولذة القرب من الله، فلا تعكرن هذا الصفو بالكدر، والهناء بالشقاء، والقرب بالبعد.
إن البقاء على الطاعة في كل حين أو التهاون عنها كرات ومرات ليعودان في المرء بإذن الله إلى القلب، وهو أكثر الجوارح تقلبًا في الأحوال، حتى قال فيه المصطفى: (إنما سُمِّي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا على بطن) [رواه أحمد] [7] ، ولأجل هذا كان من دعائه: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك) [رواه الإمام أحمد] [8] .
وبعدُ يا رعاكم الله، فإن من حق نفسك عليك أيها المرء أن تفرح بعيدها، فالله - جل وعلا - جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك، وساخط العيش عباد الله هو في الحقيقة كثير الطيش، وكأن الدنيا في عينه سمُّ الخياط، حتى يكون حرضًا أو يكون من الهالكين. والعيد عباد الله مسرح للاستئناس البريء، البعيد عن الصخب والعطب، بيتًا ومجتمعًا وإعلامًا، ومتى تجاوز الناس حدود الله في أعيادهم من لهوٍ محرم، وإيذاء للآخرين بالضجيج والأهازيج فما قدروا الله حق قدره، وما شكروه على آلائه، ولقد رأى علي- رضي الله - تعالى -عنه قومًا يعبثون في يوم عيدٍ بما لا يُرضي الله فقال:"إن كان هؤلاء تُقُبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يُتقبل منهم صيامُهم فما هذا فعل الخائفين" [9] ، ورحم الله ابن القيم حين قال عن الفرح:"إن الله - عز وجل - سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفًا، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه { مَثَلُ الَّذِينَ حُمّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] " [10] .
فعلى المسلم إذًا أن لا يكون مفراحًا إلى درجة الإسراف؛ لأن الله لا يحب الفرحين من أمثال هؤلاء، إذ بمثل هذا الفرح يتولد الأشر والبطر، ويدل لذلك قوله - تعالى: {مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4] . فقد قال بعض المفسرين: إن الشيطان الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس.
ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين، واللهَ اللهَ في الانضباط حال الفرح والسرور والابتهاج، فالمؤمن الصادق لا يفرح إلا فرح الأقوياء الأتقياء، وهو في الوقت نفسه لا يبغي ولا يزيغ، ولا ينحرف عن الصواب، ولا يفعل فعل أصحاب النار الذين قال الله فيهم: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] ، وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:"كل يوم لا يعصي فيه العبد ربه فهو عيد".
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن الشارع الحكيم قد سنّ لكم صيام الست من شوال، وجعل ذلك من متابعة الإحسان بالإحسان، فقد قال النبي: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر كله) [رواه مسلم] [11] .