فهرس الكتاب

الصفحة 1205 من 1236

والثبات في كل معانيه صعب يقول الإمام ابن القيم:"ليس في الجود شيء أصعب من الثبات والصبر إما عن المحبوب أو على المكروهات وخصوصًا إن امتد الزمان ووقع اليأس من الفرج، وتلك المدة تحتاج إلى زاد يقطع بها سفرها، والزاد هنا الثبات على حكم الله وقضائه وابتلائه".

لكن أيام رمضان تعلِّم مواجهة الصعب، وتعين الداعية؛ علَّها تمده بمدد الثبات الذي يريد، وتعطيه نفحة الثقة واليقين الذي يرجو.. إنه حين يتعلم الثبات على الطاعة في نهار رمضان ويدع المعصية فهو المدد الذي يريد، وحين يتعلم الثبات على أداء النوافل طامعًا في أجرها وجزائها فهو المدد الذي يريد، وحين يتعلم الثبات على نشر دعوته وأداء رسالته وتبليغ دعوته مضحيًا لها لما بين يديه وما خلفها فهو المدد الذي يريد، وحين يتعلم الثبات على حفظ جوارحه وحمايتها من الشرود إلى مواقع المعصية فهو المدد الذي يريد.. حينها يتصبَّر الداعية ويغلب تلك الصعوبة ويثبته الله ويربط على قلبه ويكتب له الإمامة.. {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

طريقنا طويل

وليعلم الدعاة أن طريقهم طويل وشاقّ قد سُفكت عليه الدماء، ودُقَّت فيه الأعناق، وتقطَّعت المفاصل، وزهقت الأرواح، ولعلهم يعلمون ذلك منذ وضعوا أول أقدامهم عليه وبصروا بما هم مقبلون له، واستبانوا الطريق الذي سار عله من سبقهم ولعلهم قرأوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم أثرهم.

لا بد من ابتلاء

ولا مفر من الابتلاء على الطريق {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] .. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: من الآية 155] .. (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء) .

وهي سنة الله في الجماعة العاملة"هذا هو الطريق الذي صنعه الله للجماعة المسلمة الأولى وللجماعة المسلمة في كل جيل.. إيمان وجهاد.. ومحنة وابتلاء.. وصبر وثبات وتوجُّه إلى الله وحده ثم يجيء النصر.. ثم يجيء النعيم والبلاء بالخير والشر.. {وَنَبْلُوْكُم بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِتْنَةً} .. فلا يقتصر على السجون وغيابها أو المطاردة ومخاطرها.. كلا.. ابتلاء الخير أشد ألف مرة.. والثبات على الحق عند حضوره أصعب ألف مرة."

القشيري يقسم

علق الإمام القشيري على قول الله - عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3] .. بقوله:"لم يخلهم من البلاء أو ضده من الضجر وشكرهم في الرخاء أو ضده من الكفر والبطر، وهم في البلاء ضروب، فمنهم من يصبر في حال البلاء ويشكر في حال النعماء، وهذه صفة الصادقين، ومنهم من يضجُّ ولا يصبر في البلاء ولا يشكر في النعماء فهو من الكاذبين، ومنهم من يؤثر في حال الرخاء ألا يستمع بالعطاء ويستروح إلى البلاء فيستعذب مقاساة الضر والعناء وهذا أجلهم".

والله إنها لأهون

يقول الراشد:"المؤمن الداعية أهون عليه ألف مرة أن يخلع أضلاعه ضلعًا ضلعًا، وأن يأكل تراب الأرض من أن يتخلى عن دعوته وعقيدته أو يتراجع عن قضية آمن بها أو قبل المساومة على فكرته التي بلغت عنده حد اليقين؛ لأن في ذلك تنازلًا عن جوهر نفسه كإنسان؛ ولأن الفكرة التي تتملك بيقينها المؤمن تتحول عنده إلى قيمة الحياة ذاتها".

ثبات عجيب

حكى أبو أمية الغفاري قال: كنا في غزاة لنا عدوه، فحضر فصيح في الناس، فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي، رأس فرسه عند عجز فرسه وهو يخاطب نفسه فيقول: أي نفس.. ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد كذا وكذا؟ فقلت لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم على الله آخذك أو أتركك، فقلت: لأرمقنه اليوم: فرمقته فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم: ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا، فكان في حماتهم، ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس فكان في حماتهم قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة.

الدقائق الغالية

حين يرخي الليل سدوله فيطبق على الدنيا الظلام، وحين تسكن الحياة ويؤوب العباد إلى فرشهم ينامون وحين تتسلى العيون بالمنام وتهيم العقول في بحور الأحلام، وتطمئن الجنوب في المضاجع بعد قيام.. حينها.. يتسلل المقربون إلى محاريبهم، يصفون أقدامهم ويبسطون أيديهم، ويسألون حاجتهم، ويستغفرون من ذنوبهم وزلتهم ويتوبون من خطئهم وعثرتهم ويهتفون بكل شوق: أنْ جئناك فاقبلنا، وآتيناك فلا تردنا، وسألناك فأعطنا، استرحمناك فارحمنا، واسترضيناك فارض عنا.. أنت العزيز ونحن الأذلاء.. أنت القوي ونحن الضعفاء.. أنت الغني ونحن الفقراء.. ولا استغناء يا رب عنك.. فاقبلنا.

وصية البنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت