فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 1236

المسألة الرابعة: في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعًا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } [ السجدة: 24 ] وقال: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إسرائيل بِمَا صَبَرُواْ } [ الأعراف: 137 ] وقال: { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ النحل: 96 ] وقال: { أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [ القصص: 54 ] وقال: { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر: 10 ] فما من طاعة إلا وأجرها مقدرًا إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى: { الصوم لِى } فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } [ الأنفال: 46 ] وعلق النصرة على الصبر فقال: { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة } [ آل عمران: 125 ] وجمع للصابرين أمورًا لم يجمعها لغيرهم فقال: { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة: 157 ] . وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام: « الصبر نصف الإيمان » وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبرًا إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقًا للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ، وقد يكون مخالفًا للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان ، وقال عليه السلام: « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار »

وقال عليه السلام: « الإيمان هو الصبر » وهذا شبه قوله عليه السلام: « الحج عرفة »

المسألة الخامسة: في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر؟ قال الشيخ الغزالي رحمه الله: دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام: « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر » وقال: « يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له: أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فشكرت ، وابتليتك فصبرت ، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين » وأما قوله عليه السلام: « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » فهو دليل على فضل الصبر ، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة ، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام: « شارب الخمر كعابد الوثن » وأيضًا روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا لمكان ملكه ، وآخر الصحابة دخولًا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه ، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام .

المسألة السادسة: دلت هذه الآية على أمور . أحدها: أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه . وثانيها: أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين . وثالثها: أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها . ورابعها: أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، لأن قوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال: إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذا القول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة .

اعلم أنه تعالى لما قال: { وَبَشِّرِ الصابرين } [ البقرة: 155 ] بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابرًا ، وأن تلك البشارة كيف هي؟ ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها ، والذي من فعل العبد ، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات ، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لا يتفرغون لعمارة الأراضي ، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت