فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 1236

وجملة"أن يتركوا"سدت مسد مفعولى حسب ، وجملة"أن يقولوا"فى موضع نصب ، على معنى: لأن يقولوا ، وهى متعلقة بقوله: { يتركوا } . وجملة"وهم لا يفتنون"فى موضع الحال من ضمير"يتركوا".

والمعنى: أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإِيمان؟ إن ظنهم باطل ، ووهم فاسد ، لأن الإِيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .

قال القرطبى: والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بن ربيعة ، والوليد بن الوليد . . . فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله في عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة .

قال ابن عطية: وهذه الآية وإن اكنت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال ، فهى باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجد حكمها بقية الدهر . .

وقوله - سبحانه -: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا بدون ابتلاء ، لقولهم آمنا ، هذا الظن في غير محله ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين ، إلا أن العاقبة في النهاية للمؤمنين .

والمقصود بقوله - تعالى -: { فَلَيَعْلَمَنَّ . . } إظهار علمه - سبحانه - ، أو المجازاة على الأعمال .

أى: ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك - أيها الرسول الكريم - ، { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ . . . } أى فليظهرن الله - تعالى - في عالم الواقع حال الذين صدقوا في إيمانهم ، من حال الكاذبين منهم ، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم .

أو المعنى: ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين ، كأتباع نوح وهود وصالح وغيرهم ، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ثواب ، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب ، ولترتب المجازاة على العلم ، أقيم السبب مقام المسبب .

قال الإِمام ابن جرير: قوله: { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ . . . } أى: فليعلمن الله الذين صدقوا منهم في قولهم آمنا ، وليعلمن الكاذبين منهم في قولهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم ، قبل الاختبار ، وفى حال الاختبار ، وبعد الاختبار ، ولكن معنى ذلك: وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قوله آمنا بالله ، من كذب الكاذب منهم . .

وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين ، عذبهم المشركون ، ففتن بعضهم ، وصبر بعضهم على أذاهم ، حتى أتاهم الله بفرج من عنده .

وفى معنى هاتين الايتين وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } وقوله - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً . . } وقوله - سبحانه -: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ } وقد ساق الإِمام القرطبى عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت عددا من الأحاديث النبوية ، منها قوله:"روى البخارى عن خباب بن الأرت قالوا: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:"قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصرفه ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون"".

والخلاصة ، أن المقصود من الآتيين تنبيه الناس في كل زمان ومكان ، إلى أن ظن بعض الناس أن الإِيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء ، ظن خاطئ ، وإلى أن هذا الابتلاء سُنة ماضية في السابقين وفى اللاحقين إلى يوم القيامة .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

(1) - التحرير والتنوير - (ج 10 / ص 455)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت