فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 1236

والواو الداخلة على جملة { ولقد فتنا الذين من قبلهم } يجوز أن تكون عاطفة على جملة { أحَسِبَ الناس } [ العنكبوت: 2 ] ، ويجوز كونها عاطفة على جملة { وهم لا يفتنون } [ العنكبوت: 2 ] فتكون بمعنى الحال ، أي والحال قد فتنا الذين من قبلهم ، وعلى كلا التقديرين فالجملة معترضة بين ما قبلها وما تفرّع عنه من قوله { فليعلمنّ الله الذين صدقوا } . فلك أن تسمي تلك الواو اعتراضية . وإسناد فعل { فتنا } إلى الله تعالى لقصد تشريف هذه الفتون بأنه جرى على سنة الله في الأمم . فالفاء في قوله { فليعلمن الله الذين صدقوا } تفريع على جملة { وهم لا يفتنون } [ العنكبوت: 2 ] ، أي يفتنون فيعلم الله الذين صدقوا منهم والكاذبين . والمفرع هو علم الله الحاصل في المستقبل كما يقتضيه توكيد فعل العلم بنون التوكيد التي لا يؤكد بها المضارع إلا مستقبلًا . وهو تعلق بالمعلوم شبيه بالتعلق التنجيزي لصفتي الإرادة والقدرة وإن لم يسموه بهذا الاسم .

والمراد بالصدق هنا ثبات الشيء ورسوخه ، وبالكذب ارتفاعه وتزلزله؛ وذلك أن المؤمنين حين قالوا { آمنا } [ العنكبوت: 2 ] لم يكن منهم من هو كاذب في إخباره عن نفسه بأنه اعتقد عقيدة الإيمان واتبع رسوله ، فإذا لحقهم الفتون من أجل دخولهم في دين الإسلام فمن لم يعبأ بذلك ولم يترك اتباع الرسول فقد تبين رسوخ إيمانه ورباطة عزمه فكان إيمانه حقًا وصدقًا ، ومن ترك الإيمان خوف الفتنة فقد استبان من حاله عدم رسوخ إيمانه وتزلزله ، وهذا كقول النابغة:

أولئك قوم بأسهم غيرُ كاذب ... وقول الأعشى في ضده يصف راحلته:

جُمَالِيّة تَغْتَلي بالرِّدا ... ففِ إذا كذب الآثِمَاتُ الهجيرا

وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: { أن لهم قدم صدق عند ربهم } في أول سورة [ يونس: 2 ] .

ولما كان علم الله بمن يكون إيمانه صادقًا عند الفتون ومن يكون إيمانه كاذبًا بهذين المعنيين متقررًا في الأزل من قبل أن يحصل الفتون والصدقُ والكذب تعين تأويل فعل { فليعلمن } بمعنى: فليعلمن بكذب إيمانهم بهذا المعنى ، فهو من تعلق العلم بحصول أمر كان في علم الله أنه سيكون وهو شبيه بتعلق الإرادة المعبر عنه بالتعلق التنجيزي ولا مانع من إثبات تعلقين لعلم الله تعالى: أحدهما قديم ، والآخر تنجيزي حادث . ولا يفضي ذلك إلى اتصاف الله تعالى بوصف حادث لأن تعلق الصفة تحقق مقتضاها في الخارج لا في ذات موصوفها ، وتقدم عند قوله تعالى { إلا لِنَعْلَم مَن يتَّبع الرسول } في سورة [ البقرة: 143 ] ، وقوله { وليعلم الله الذين ءامنوا ويتّخذ منكم شهداء } في [ آل عمران: 140 ] .

ولك أن تجعل العلم هنا مكنى به عن وعد الصادقين ووعيد الكاذبين لأن العلم سبب للجزاء بما يقتضيه فكانت الكناية مقصودة وهو المعنى الأهم .

وقد عدل في قوله { فليعلمن الله } عن طريق التكلم إلى طريق الغيبة بإظهار اسم الجلالة على أسلوب الالتفات لما في هذا الإظهار من الجلالة ليعلم أن الجزاء على ذلك جزاء مالك المُلك .

وتعريف المتصفين بصدق الإيمان بالموصول والصلة الماضوية لإفادة أنهم اشتهروا بحدثان صدق الإيمان وأن صدقهم مُحقق .

وأما تعريف المتصفين بالكذب بطريق التعريف باللام وبصيغة اسم الفاعل فلإفادة أنهم عُهدوا بهذا الوصف وتميزوا به مع ما في ذلك من التفنن والرعاية على الفاصلة .

روى الطبري عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت هذه الآية { الم أَحَسِبَ الناس أن يتركوا } إلى قوله { وليعلمن الكاذبينا } [ لعنكبوت: 13 ] في عمار بن ياسر إذ كان يُعذَّب في الله ، أي وأمثاله عياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ممن كانوا يعذبون بمكة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم الله بالنجاة لهم وللمستضعفين من المؤمنين .

وقال السيد رحمه الله (1) :

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية ، في ميزان الله سبحانه:

{ ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } . .

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله ، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم . وهو فضل من الله من جانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا يأخذوا أحدًا إلا بما استعلن من أمره ، وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه!

ونعود إلى سنة الله في ابتلاء الذين يؤمنون وتعريضهم للفتنة حتى يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 450)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت