{ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا، ويمنعونا مما يقدرون عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم الغلبة، ظنوا أنهم على الحق وأنا على الباطل، فازدادوا كفرا وطغيانا، { وَاغْفِرْ لَنَا } ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من المأمورات، { رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ } القاهر لكل شيء، { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك (6) وحكمتك انصرنا على أعدائنا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا.
وقال الرازي رحمه الله (1) :
قوله: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } من دعاء إبراهيم . قال ابن عباس: لا تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق ، وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ، وقيل: لا تبسط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ، وقيل: قوله { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } ، أي عذابًا أي سببًا يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم . وقوله تعالى: { واغفر لَنَا رَبَّنَا } الآية ، من جملة ما مر ، فكأنه قيل: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدًا للكلام ، فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } أي في إبراهيم والذين معه ، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه ، قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله ، وقوله تعالى: { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله } بدل من قوله: { لَكُمْ } وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة ، { وَمَن يَتَوَلَّ } أي يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى مودة الكفار { فَإِنَّ الله هُوَ الغنى } عن مخالفة أعدائه { الحميد } إلى أوليائه . أما قوله: { عَسَى الله } فقال مقاتل: لما أمر الله تعالى المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم والبراءة منهم فأنزل الله تعالى قوله: { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم } أي من كفار مكة { مَّوَدَّةَ } وذلك بميلهم إلى الإسلام ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم . وقيل: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته في العداوة ، وكانت أم حبيبة قد أسلمت ، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة ، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت ، وصبرت على دينها ، ومات زوجها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فخطبها عليه ، وساق عنه إليها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يفدغ أنفه ، و { عَسَى } وعد من الله تعالى: { وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } يريد نفرًا من قريش آمنوا بعد فتح مكة ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وأبو سفيان بن الحرث ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، والله تعالى قادر على تقليب القلوب ، وتغيير الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة ، { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بهم إذا تابوا وأسلموا ، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى ، قال بعضهم: لا تهجروا كل الهجر ، فإن الله مطلع على الخفيات والسرائر . ويروى: أحبب حبيبك هونًا ما ، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما .ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } إذا كان تأويله: لا تسلط علينا أعداءنا مثلًا ، فلم ترك هذا ، وأتى بذلك؟ فنقول: إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا ، فإذا أتى به فكأنه أتى بهذا وذلك ، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك التأويلات .
الثاني: لقائل أن يقول: ما الفائدة في قوله تعالى: { واغفر لَنَا رَبَّنَا } وقد كان الكلام مرتبًا إذا قيل: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز الحكيم فنقول: إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة ، والبراءة عن الفتنة لا يمكن وجودها بدون المغفرة ، إذ العاصي لو لم يكن مغفورًا كان مقهورًا بقهر العذاب ، وذلك فتنة ، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهورًا ، و { الحميد } قد يكون بمعنى الحامد ، وبمعنى المحمود ، فالمحمود أي يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم ، والحامد أي يحمد الخلق ، ويشكرهم حيث يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال .
وفي التفسير الوسيط (2) :
{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ } والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون ، أى: المعذب ، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها .
أى: يا ربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين ، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده ، كما قال - تعالى -: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات . . } أى: عذبوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم .
(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 323)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4168)