وفي التفسير الوسيط (1) :
قوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار ، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير: والله لنبلونكم .
وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على قوله: { استعينوا } الخ ، عطف المضمون على المضمون ، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر ، ومضمون الثانية بيان مواطنه ، والمراد: ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلي لأحوالكم:
والتنوين في قوله: { بِشَيْءٍ } للتقليل . أي بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهي الخوف وما عطف عليه .
وإنما قلل - كما قال الزمخشري - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم ، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين .
و { الخوف } غم يلحق النفس لتوقع مكروه ، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف ، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لا هم له إلا إيذاؤها بما تكره .
و { والجوع } ضد الشبع ، والمراد منه القحط ، وتعذر تحصيل القوت ، والحاجة الملحة إلى طعام
و { الأموال } جمع مال ، وهو ما يملك مما له قيمة ، وجرى للعرب عرف باستعماله في النعم خاصة - وهي الإِبل والبقر والغنم - .
و { والثمرات } : جمع ثمرة وهي حمل الشجر ، وقد تطلق على الشجر سوالنبات نفسه .
والمعنى: ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع ، وبشيء من النقص في الأنفس والأموال والثمرات ، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون ، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة ، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى - .
ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل في غزوة الأحزاب . وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم ، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه . وحدث لهم نقص في أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله . وحدث لهم نقص في أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم . ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيمانًا وتسليمًا لقضاء الله وقدره ، واستمساكًا بتعاليم دينهم .
وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف ، إذ العقائد الرخيصة التي لا يؤد أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى ، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم ، وحط من مراتبهم ، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الإِمام الرازي: وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء . أي الإِخبار به قبل وقوعه: ففيها وجوه .
أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود .
وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إلأيهم تلك المحن اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب .
وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه ، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله . ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصرًا على ذلك المذهب: كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب .
ورابعها: أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه . فكان إخبارًا عن الغيب فكان معجزًا .
وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعًا في المال وسعة الرزق ، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن ، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق .
وسادسها: أن إِخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه . فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك .
ثم بعد أن بين - سبحانه - مواطن تضطرب فيها النفوس أردف ذلك يذكر عاقبة الصبر ، وجزائه الأسنى ، فقال: { وَبَشِّرِ الصابرين . الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ } .
الخطاب في قوله: { وَبَشِّرِ } للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة .
والجملة عطف على { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف المضمون على المضمون أي: الابتلاء حاصللكم وكذا البشارة لكن لمن صبر .
و { مُّصِيبَةٌ } اسم فاعل من الإِصابة ، والمراد بها الآلام الداخلة على النفس بسبب ما ينالها من الشدائد والمحن .
و { رَاجِعونَ } من الرجوع بمعنى مصير الشيء إلى ما كان عليه ، يقال: رجعت الدار إلى فلان إذا كلها مرة ثانية ، وهو نظير العود والمصير .
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 243)