فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 1236

وظاهر إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان أن الشيطان مسّ أيوب بهما ، أي أصابه بهما حقيقة مع أن النصب والعذاب هما الماسان أيوب ، ففي سورةَ [ الأنبياء: 83 ] { أني مسني الضر } فأسند المسّ إلى الضر ، والضرّ هو النصب والعذاب . وتردّدت أفهام المفسرين في معنى إسناد المسّ بالنُّصب والعذاب إلى الشيطان ، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مُكرر آيات القرآن وليس النُّصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها .

وتأولوا ذلك على أقوال تتجاوز العشرة وفي أكثرها سماجة وكلها مبني على حملهم الباء في قوله: بِنُصبٍ على أنها باء التعدية لتعدية فعل { مَسَّنِي } ، أو باء الآلة مثل: ضربه بالعصا ، أو يؤول النُّصب والعذاب إلى معنى المفعول الثاني من باب أعطى .

والوجه عندي: أن تحمل الباء على معنى السببية بجعل النُّصْب والعذاب مسببين لمسّ الشيطان إياه ، أي مسنّي بوسواس سببه نُصْب وعذاب ، فجعل الشيطان يوسوس إلى أيوب بتعظيم النُّصْب والعذاب عنده ويلقي إليه أنه لم يكن مستحقًا لذلك العذاب ليلقي في نفس أيوب سوء الظن بالله أو السخط من ذلك . أو تحمل البَاء على المصاحبة ، أي مسّني بوسوسة مصاحبة لضرّ وعذاب ، ففي قول أيوب { أني مسَّني الشيطانُ بنُصببٍ وعذابٍ } كناية لطيفة عن طلب لطف الله به ورفع النُّصب والعذاب عنه بأنهما صارا مدخلًا للشيطان إلى نفسه فطلب العصمة من ذلك على نحو قول يوسف عليه السّلام: { وإلاَّ تصرف عنّي كيدَهن أَصْبُ إليهن وأكنْ من الجاهلين } [ يوسف: 33 ] .

وتنوين «نصب وعذاب» للتعظيم أو للنوعية ، وعدل عن تعريفهما لأنهما معلومان لله .

وجملة { اركض برِجلِك } الخ مقولة لقول محذوف ، أي قلنا له اركض برجلك ، وذلك إيذان بأن هذا استجابة لدعائه .

والرّكْض: الضرب في الأرض بالرجل ، فقوله: { بِرِجْلِكَ } زيادة في بيان معنى الفعل مثل: { ولا طائر يطير بجناحيه } [ الأنعام: 38 ] وقد سمّى الله ذلك استجابة في سورة [ الأنبياء: 84 ] إذ قال: { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر . وجملة هذا مُغْتسلٌ } مقولة لقول محذوف دل عليه المقول الأول ، وفي الكلام حذف دلّت عليه الإِشارة . فالتقدير: فركض الأرض فنبع ماء فقلنا له: هذا مغتسل بارد وشراب . فالإِشارة إلى ماء لأنه الذي يغتسل به ويشرب .

ووصْف الماء بذلك في سياق الثناء عليه مشير إلى أن ذلك الماء فيه شفاؤه إذا اغتسل به وشَرب منه ليتناسب قول الله له مع ندائه ربّه لظهور أن القول عقب النداء هو قول استجابة الدعاء من المدعو . و { مغتسل } اسم مفعول من فعل اغتسل ، أي مغتسل به فهو على حذف حرف الجر وإيصال المغتسل القاصر إلى المفعول مثل قوله

: ... تَمرُّون الديارَ ولم تعُوجوا

ووصفه ب { بَارِدٌ } إيماء إلى أن به زوال ما بأيوب من الحمى من القروح . قال النبي صلى الله عليه وسلم"الحُمى من فَيْح جهنم فأطفئوها بالماء"، أي نافع شاف ، وبالتنوين استُغني عن وصف { شراب } إذ من المعلوم أن الماء شراب فلولا إرادة التعظيم بالتنوين لكان الإِخبار عن الماء بأنه شراب إخبارًا بأمر معلوم ، ومرجع تعظيم { شراب } إلى كونه عظيمًا لأيوب وهو شفاء ما به من مرض .

اقتصار أيوب في دعائه على التعريض بإزالة النُّصْب والعذاب يشعر بأنه لم يُصب بغير الضر في بدنه . ويحتمل أن يكون قد أصابه تلف المال وهلاك العيال كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود فيكون اقتصاره على النُّصْب والعذاب في دعائه لأن في هلاك الأهل والمال نُصْبًا وعذابًا للنفس . ولم يتقدم في هذه الآية ولا في آية سورة الأنبياء أن أيوب رُزِىءَ أهله فيجوز أن يكون معنى { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } أن الله أبقى له أهله فلم يصب فيهم بما يكره وزاده بنين وحفدة .

ويكون فعل { وهبنا } مستعملًا في حقيقته ومجازه . ويؤيد هذا المحمل وقوع كلمة { معهم } عقب كلمة { ومثلهم } فإن ( مع ) تشعر بأن الموهوب لاحق بأهله ومزيد فيهم فليس في الآية تقدير مضاف في قوله: { ووهبنا له أهله } .

وليس في الأخبار الصحيحة ما يخالف هذا إلا أقوالًا عن المفسرين ناشئة عن أفهام مختلفة . ويحتمل أن يكون مما أصابه أنه هلَك وأولاده في مدة ضرّه كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود وأقوال بعض السلف من المفسرين فيتعين تقدير مضاف ، أي وهبنا له عوض أهله . وألفاظ الآية تنبو عن هذا الوجه الثاني .

ومعنى { ومثلهم } مماثلهم . والمراد: مماثل عددهم ، أي ضعف عدد أهله من بنين وحفدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت