المسألة الأولى: قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلًا من الروم وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبيًا ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظًا وافرًا من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلًا وولدًا من رجال ونساء ، وكان رحيمًا بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم الضيف وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله ، قال وهب: وإن لجبريل عليه السلام بين يدي الله تعالى مقامًا ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة ، وهو الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبدًا بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين ، فإذا شاع ذلك فهم يصلون عليه . ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة الأرض . وكان إبليس لم يحجب عن شيء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة . ولم يزل على ذلك حتى رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع . فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السموات إلا من استرق السمع ، قال: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد ، فصعد سريعًا حتى وقف من السماء موقفًا كان يقفه ، فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرن بك ، فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله . فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين ، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب؟ قال عفريت: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارًا من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه ، فقال إبليس: فأت الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائمًا يصلي ، فلما فرغ من الصلاة قال: يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه . قال إبليس: فإن ربك أرسل عليها نارًا من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين متعجبين منها . فمن قائل يقول: ما كان أيوب يعبد شيئًا وما كان إلا في غرور ، ومن قائل يقول: لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه ، ومن قائل آخر يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه . فقال أيوب عليه السلام: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ، عريانًا خرجت من بطن أمي ، وعريانًا أعود في التراب ، وعريانًا أحشر إلى الله تعالى ، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرًا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدًا وآجرني فيك ، ولكن الله علم منك شرًا فأخرك . فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئًا . فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتًا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه ، فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها . فخرج إبليس متمثلًا بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول: ورد عليه أيوب الرد الأول ، فرجع إبليس صاغرًا . فقال عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحًا عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه ، قال فاذهب إلى الحرث والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلًا حتى جاء أيوب وهو يصلي ، فقال مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول ، فجعل إبليس يصيب أمواله شيئًا فشيئًا حتى أتى على جميعها . فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي كان يقفه عند الله تعالى ، وقال: يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده ، فإنها الفتنة المضلة . فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده ، فأتى أولاد أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم ، ثم جاء إلى أيوب متمثلًا بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه ، فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك ، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من التراب ووضعها على رأسه ، فاغتنم ذلك إبليس ، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: يا إلهي إنما يهون على أيوب خطر المال والولد ، لعلمه أنك تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك ، فقال تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله سريعًا فوجد أيوب عليه السلام ساجدًا لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه ثآليل وقد وقعت فيه حكة لا يملكها ، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره ، ثم حكها بالمسوح الخشنة ثم بالفخار والحجارة ، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن ، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشًا ورفضه