روى يزيد بن زُريع عن داود بن أبي هند عن الشّعبيّ قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهوديُّ المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرّشْوة . ودعا المنافق اليَهوديَّ إلى حكامهم؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرّشوة في أحكامهم؛ فلما اختلفا اجتمعا على أن يُحكّما كَاهِنًا في جُهينة؛ فأنزل الله تعالى في ذلك: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني المنافق . { وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني اليهودي . { يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت } إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } وقال الضحاك: دعا اليهوديُّ المنافق إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافقُ إلى كعب بن الأشرف وهو { الطاغوت } . ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال:"كان بين رجل من المنافقين يُقال له بشر وبين يهوديّ خصومة؛ فقال اليهوديّ: انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سمّاه الله { الطاغوت } أي ذو الطغيان؛ فأبى اليهوديّ أن يخاصمه إلاَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهوديّ . فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر؛ فحكم لليهوديّ فلم يرض ذكره الزّجّاج وقال: انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهوديّ: إنا صرّنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض؛ فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم . قال: رُويْدَكُما حتى أخرج إليكما . فدخل وأخذ السّيف ثم ضرب به المنافق حتى بَردَ ، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله؛ وَهَرب اليهوديّ ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنت الفَارُوق» . ونزل جبريل وقال: إن عمر فَرّق بين الحقّ والباطل"؛ فسُمِّي الفاروق . وفي ذلك نزلت الآيات كلّها إلى قوله: { وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } وانتصب: { ضَلاَلًا } على المعنى ، أي فيضلون ضلالًا؛ ومثله قوله تعالى: { والله أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتًا } [ نوح: 17 ] . وقد تقدّم هذا المعنى مستوفى . و { صُدُودًا } اسم للمصدر عند الخليل ، والمصدر الصدّ . والكوفيون يقولون: هما مصدران .
أي { فَكَيْفَ } يكون حالهم ، أو { فَكَيْفَ } يصنعون { إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } أي مِن ترك الاستعانة بهم ، وما يلحقهم من الذل في قوله: { فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا } [ التوبة: 83 ] . وقيل: يريد قتل صاحبهم { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } وتم الكلام . ثم ابتدأ يُخبر عن فعلهم؛ وذلك أن عمر لما قَتَل صاحبَهم جاء قومُه يطلبون دِيتَه ويحلفون ما نريد بطلب دِيته إلاَّ الإحسان وموافقة الحقّ . وقيل: المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلاَّ التوفيق بين الخصوم ، والإحسان بالتقريب في الحكم . ابن كَيْسان؛ عدلًا وحقًا؛ نظيرها { وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى } [ التوبة: 107 ] فقال الله تعالى مكذِّبًا لهم: { أولئك الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ } قال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون . والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون . { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قيل: عن عقابهم . وقيل: عن قبول اعتذارهم { وَعِظْهُمْ } أي خوّفهم . قيل في المَلأَ . { وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا } أي ازجرهم بأبلغ الزّجر في السرّ والخلاء . الحسن: قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قَتَلتكُم . وقد بلغ القول بلاغة؛ ورجل بليغٌ يَبلغُ بلسانه كُنْه ما في قلبه . والعرب تقول: أَحْمَقُ بَلْغٌ وبِلْغٌ ، أي نهاية في الحَمَاقة . وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أَحْمَقَ . ويقال: إن قوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَآ أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } نزل في شأن الذين بَنَوْا مسجد الضِّرار؛ فلما أظهر الله نفاقهم ، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعًا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلاَّ طاعة الله وموافقة الكتاب .
وقال الرازي (1) :
اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وانما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الاكثر الا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله: { هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } أي بقولهم الكذب . قال الاصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن الاعربي: الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت
وأنّي أدين لكم أنه ... سينجزكم ربكم ما زعم
(1) - تفسير الرازي - (ج 5 / ص 259)