و { أنما } المفتوحة الهمزة تفيد الحصر مثل ( إنما ) المكسورة الهمزة لأن المفتوحة الهمزة فرع عن المكسورتها لفظًا ومعنى فلا محيص من إفادتها مفادها ، فالتقدير فاعلم أنهم ما يتبعون إلا أهواءهم . وجيء بحرف ( إن ) الغالب في الشرط المشكوك على طريقة التهكم أو لأنها الحرف الأصلي . وإقحام فعل { فاعلم } للاهتمام بالخبر الذي بعده كما تقدم في قوله تعالى { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } في سورة [ الأنفال: 24 ] .
وقوله { أتبعه } جواب { فأتوا } أي إن تأتوا به أتبعه ، وهو مبالغة في التعجيز لأنه إذا وعدهم بأن يتبع ما يأتون به فهو يتبعهم أنفسهم وذلك مما يوفر دواعيهم على محاولة الإتيان بكتاب أهدى من كتابه لو استطاعوه فإن لم يفعلوا فقد حق عليهم الحق ووجبت عليهم المغلوبية فكان ذلك أدل على عجزهم وأثبت في إعجاز القرآن .
وهذا من التعليق على ما تحقق عدم وقوعه ، فالمعلق حينئذ ممتنع الوقوع كقوله { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } [ الزخرف: 81 ] . ولكونه ممتنع الوقوع أمر الله رسوله أن يقوله . وقد فهم من قوله { فإن لم يستجيبوا } ومن إقحام { فاعلم } أنهم لا يأتون بذلك البتة وهذا من الإعجاز بالإخبار عن الغيب .
وجاء في آخر الكلام تذييل عجيب وهو أنه لا أحد أشد ضلالًا من أحد اتبع هواه المنافي لهدى الله .
و { من } اسم استفهام عن ذات مبهمة وهو استفهام الإنكار فأفاد الانتفاء فصار معنى الاسمية الذي فيه في معنى نكرة في سياق النفي أفادت العموم فشمل هؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم وغيرهم . وبهذا العموم صار تذييلًا وهو كقوله تعالى { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } في سورة [ البقرة: 140 ] .
وأطلق الاتباع على العمل بما تمليه إرادة المرء الناشئة عن ميله إلى المفاسد والأضرار تشبيهًا للعمل بالمشي وراء السائر ، وفيه تشبيه الهوى بسائر ، والهوى مصدر لمعنى المفعول كقول جعفر بن عُلبة
: ... هواي مع الركب اليمانين مصعد
وقوله { بغير هدى من الله } الباء فيه للملابسة وهو في موضع الحال من فاعل { اتبع هواه } وهو حال كاشفة لتأكيد معنى الهوى لأن الهوى لا يكون ملابسًا للهدى الرباني ولا صاحبه ملابسًا له لأن الهدى يرجع إلى معنى إصابة المقصد الصالح .
وجعل الهدى من الله لأنه حق الهدى لأنه وارد من العالم بكل شيء فيكون معصومًا من الخلل والخطأ .
ووجه كونه لا أضل منه أن الضلال في الأصل خطأ الطريق وأنه يقع في أحوال متفاوتة في عواقب المشقة أو الخطر أو الهلاك بالكلية ، على حسب تفاوت شدة الضلال . واتباع الهوى مع إلغاء إعمال النظر ومراجعته في النجاة يلقي بصاحبه إلى كثير من أحوال الضرّ بدون تحديد ولا انحصار .
فلا جرم يكون هذا الاتباع المفارق لجنس الهدى أشد الضلال فصاحبه أشد الضالين ضلالًا .
ثم ذيل هذا التدييل بما هو تمامه إذ فيه تعيين هذا الفريق المبهم الذي هو أشد الضالين ضلالًا فإنه الفريق الذين كانوا قومًا ظالمين ، أي كان الظلم شأنهم وقوام قوميتهم ولذلك عبر عنهم بالقوم .
والمراد بالظالمين: الكاملون في الظلم ، وهو ظلم الأنفس وظلم الناس ، وأعظمه الإشراك وإتيان الفواحش والعدوان ، فإن الله لا يخلق في نفوسهم الاهتداء عقابًا منه على ظلمهم فهم باقون في الضلال يتخبطون فيه ، فهم أضل الضالين ، وهم مع ذلك متفاوتون في انتفاء هدى الله عنهم على تفاوتهم في التصلب في ظلمهم؛ فقد يستمر أحدهم زمانًا على ضلاله ثم يقدر الله له الهدى فيخلق في قلبه الإيمان . ولأجل هذا التفاوت في قابلية الإقلاع عن الضلال استمرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم للإيمان في عموم المدعوين إذ لا يعلم إلا الله مدى تفاوت الناس في الاستعداد لقبول الهدى ، فالهدى المنفي عن أن يتعلق بهم هنا هو الهدى التكويني .
وأما الهدى بمعنى الإرشاد فهو من عموم الدعوة . وهذا معنى قول الأيمة من الأشاعرة أن الله يخاطب بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن مثل أبي جهل لأن التعلق التكويني غير التعلق التشريعي .
وبين { هواه } و { هدى } جناس محرف وجناس خط .
عطف على جملة { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } [ القصص: 47 ] الآية ، وما عطف عليها من قوله { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } [ القصص: 48 ] .
والتوصيل: مبالغة في الوصل ، وهو ضم بعض الشيء إلى بعض يقال: وصل الحبل إذا ضم قطعه بعضها إلى بعض فصار حبلًا .
والقول مراد به القرآن قال تعالى { إنه لقول فصل } [ الطارق: 13 ] وقال { إنه لقول رسول كريم } [ الحاقة: 40 ] ، فالتعريف للعهد ، أي القول المعهود . وللتوصيل أحوال كثيرة فهو باعتبار ألفاظه وصل بعضه ببعض ولم ينزل جملة واحدة ، وباعتبار معانيه وصل أصنافًا من الكلام: وعدًا ، ووعيدًا ، وترغيبًا ، وترهيبًا ، وقصصًا ومواعظ وعبرًا ، ونصائح يعقب بعضها بعضًا وينتقل من فن إلى فن وفي كل ذلك عون على نشاط الذهن للتذكر والتدبر .