فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 1236

يخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللّه عنه أكثر، فإن اللّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } وليس إهمالا منه تعالى تأخير العقوبات ولا عجزا.

{ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ } أي: معجزين قدرة اللّه عليكم، بل أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه اللّه فيكم. { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاكم، فيحصل لكم المنافع { وَلا نَصِيرٍ } يدفع عنكم المضار.

وقال الرازي (1) :

ثم قال تعالى: { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر { بِمَا كَسَبَتْ } بغير فاء ، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة: ما معنى الشرطية .

المسألة الثانية: المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأول: قوله تعالى: { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ غافر: 17 ] بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة { مالك يَوْمِ الدين } [ الفاتحة: 4 ] أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة والثاني: أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: « خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل » الثالث: أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ودار الجزاء معًا ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة ، فقد تمسكوا أيضًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: « لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ » هذا معناه وتمسكوا أيضًا بهذه الآية ، وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات } [ النساء: 160 ] وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى بعد هذه الآية { أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } [ الشورى: 34 ] وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: احتج أهل التناسخ بهذه الآية ، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال البهائم لا تتألم ، فقالوا دلّت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم ، ثم إن أهل التناسخ قالوا: لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم ، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق ، وأما القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة في بدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب: أن قوله تعالى: { وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } خطاب مع من يفهم ويعقل ، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال ، ولم يقل تعالى: إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: قوله { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } يقتضي إضافة الكسب إلى اليد ، قال والكسب لا يكون باليد ، بل بالقدرة القائمة باليد ، وإذا كان المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة ، وكان هذا المجاز مشهورًا مستعملًا كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهًا لله تعالى عن الأعضاء والأجزاء ، والله أعلم .

(1) - تفسير الرازي - (ج 13 / ص 438)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت