فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 1236

وفي التفسير الوسيط (1) :

قوله - تعالى -: { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس } بيان لسبب ظهور الفساد . أى: عم الفساد وطم البر والبحر ، بسبب اقتراف الناس للمعاصى . وانهماكهم في الشهوات ، وتفلتهم من كل ما أمرهم الله - تعالى - به ، أو نهاهم عنه ، كما قال - تعالى -: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } فظهور الفساد وانتشاره ، لا يتم عبثًا أو اعتباطًا ، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة الله - تعالى - ، وارتكابهم للمعاصى . .

ثم بين - سبحانه - ما ترتب على الوقوع في المعاصى من بلاء واختبار ، فقال: { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } .

واللام فى"ليذيقهم"للتعليل وهى متعلقة بظهر . أى: ظهر الفساد . . ليذيق - سبحانه - الناس نتائج بعض اعمالهم السيئة ، كى يرجعوا عن غيرهم وفسقهم ، ويعودوا إلى الطاعة والتوبة .

ويجوز ان تكون متعلقة بمحذوف ، اى: عاقبهم بانتشار الفساد بينهم ، ليجعلهم يحسون بسوء عاقبة الولوغ في المعاصى ، ولعلهم يرجعون عنها ، إلى الطاعة والعمل الصالح .

ثم يلفت - سبحانه - أنظار الناس إلى سوء عاقبة من ارتكس في الشرك والظلم ، فيقول: { قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } . أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: سيروا في الأرض سير المتأملين المعتبرين ، لتروا بأعنيكم ، كيف كانت لقد كانت عاقبتهما الدمار والهلاك ، بسبب إصرار أكثرهم على الشكر والكفر ، وانغماس فريق منهم في المعاصى والفواحش .

فالمراد بالسير ، ما يترتب عليه من عظات وعبر ، حتى لا تكون عاقبة اللاحقين ، كعاقبة السابقين ، في الهلاك والنكال .

وقال الطاهر بن عاشور (2) :

ومما اختبط فيه ضعفاء المعرفة وقصار الأنظار أن زعم أهل القول بالتناسخ أن هذه المصائب التي لا نرى لها أسبابا والخيرات التي تظهر في مواطن تحف بها مقتضيات الشرور إنما هي بسبب جزاء الأرواح المودعة في الأجسام التي نشاهدها على ما كانت أصابته من مقتضيات الأحوال التي عرضت لها في مرآنا قبل أن توضع في هذه الأجساد التي نراها ، وقد عموا عما يرد على هذا الزعم من سؤال عن سبب إيداع الأرواح الشريرة في الأجساد الميسرة للصالحات والعكس فبئس ما يفترون .

فقوله: { ويعفو عن كثير } عطف على جملة { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ، وضمير { يعفو } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { ومن آياته خلق السماوات } [ الشورى: 29 ] . وهذا يشير إلى ما يتراءى لنا من تخلف إصابة المصيبة عن بعض الذين كسبت أيديهم جرائم ، ومن ضد ذلك مما تصيب المصائب بعض الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهو إجمال يبينه على الجملة أن ما يعلمه الله من أحوال عباده وما تغلب من حسناتهم على سيئاتهم ، وما تقتضيه حكمة الله من إمهال بعض عباده أو من ابتلاء بعض المقربين ، وتلك مراتب كثيرة وأحوال مختلفة تتعارض وتتساقط والموفق يبحث عن الأسباب فإن أعجزته فوض العلم إلى الله .

والمعنى: أنه تعالى يعفو ، أي يصفح فلا يصيب كثيرا من عباده الذين استحقوا جزاء السوء بعقوبات دنيوية لأنه يعلم أن ذلك أليق بهم . فالمراد هنا: العفو عن المؤاخذة في الدنيا ولا علاقة لها بجزاء الآخرة فإن فيه أدلة أخرى من الكتاب والسنة .

و { كثير } صفة لمحذوف ، أي عن خلق أو ناس .

عطف على جملة { ويعفو عن كثير } [ الشورى: 30 ] ، وهو احتراس ، أي يعفو عن قدرة فإنكم لا تعجزونه ولا تغلبونه ولكن يعفو تفضلا .

والمعجز: الغالب غيره بانفلاته من قبضته . والمعنى: ما أنتم بفالتين من قدرة الله . والخطاب للمشركين .

والمعنى: أن الله أصابكم بمصيبة القحط ثم عفا عنكم برفع القحط عنكم وما أنتم بمفلتين من قدرة الله إن شاء أن يصيبكم ، فهو من معنى قوله: { إنا كاشفوا العذابب قليلا إنكم عائدون } [ الدخان: 15 ] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان حين دعا برفع القحط عنهم: تعودون بعد ، وقد عادوا فأصابهم الله ببطشة بدر قال: { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } [ الدخان: 16 ] .

وتقييد النفي بقوله: { في الأرض } لإرادة التعميم ، أي في أي مكان من الأرض لئلا يحسبوا أنهم في منعة بحلولهم في مكة التي أمنها الله تعالى ، وذلك أن العرب كانوا إذا خافوا سطوة ملك أو عظيم سكنوا الجهات الصعبة ، كما قال النابغة ذاكرا تحذيره قومه من ترصد النعمان بن المنذر لهم وناصحا لهم:

إما عصيت فإني غير منفلت ... مني اللصاب فجنبا حرة النار

أو أضع البيت في صماء مضلمة ... من المظالم تدعى أم صبار

تدافع الناس عنا حين نركبها ... تقيد العير لا يسري بها الساري

وجيء بالخبر جملة اسمية في قوله: { وما أنتم بمعجزين } للدلالة على ثبات الخبر ودوامه ، أي نفي إعجازهم ثابت لا يتخلف فهم في مكنة خالقهم .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3346)

(2) - التحرير والتنوير - (ج 13 / ص 132)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت