فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 1236

ثم أكد - سبحانه ما سبق أن أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم من ثبات على الحق فقال: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم . . . } أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من سوء عاقبة الأشرار ، وحسن عاقبة الأخيار . فاثبت على هذا الدين القويم ، الذى أوحيناه إليك ، ولا تتحول عن إلى جهة ما .

{ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله } أى: اثبت على هذا الدين القيم ، من قبل أن يأتى يوم القيامة ، الذى لا يقدر أحد على ردِّه أو دفع عذابه إلا الله - تعالى وحده .

ثم بين - سبحانه - أحوال الناس في هذا اليوم فقال: { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } .

أى: يتفرقون . وأصله يتصدعون ، فقلبت تاؤه صادًا وأدغمت ، والتصدع التفرق: يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قول الشاعر:

وكنا كندْمانَىْ جَذِيمةَ حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

أى: لن يتفرقا .

والمعنى: اثبت على هذا الدين ، من قبل أن يأى يوم القيامة ، الذى يتفرق فيه الناس إلى فريقين ثم بين - سبحانه - الفريق الأول فقال: { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أى: من كفر من الناس ، فعاقبه كفره واقعة عليه لا على غيره ، وسيتحمل وحده ما يترتب على ذلك من عذاب مهين .

قال صاحب الكشاف: قوله { فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } كلمة جامعة لما لا غاية وارءه من المضار ، لأن من كان ضاره كفره ، فقد أحاطت به كل مضرة .

ثم بين - سبحانه - الفريق الثانى فقال: { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أى: ومن عمل في دنياه عملًا صالحًا ، فإنه بسبب هذا العمل يكون قد مهد وسوى لنفسه مكانًا مريحًا يستقر فيه في الآخرة .

والمهاد: الفراش . ومنه مهاد الصبى أى فراشه . ويقال مهدت الفراش مهدا ، أى: بسطته ووطأته . ومهدت الأمور . أى: سويتها وأصلحتها .

فالجملة الكريمة تصوير بديع للثمار الطيبة التى تترتب على العمل الصالح في الدنيا ، حتى لكأن من يعمل هذا العمل ، يعد لنفسه في الآخرة مكانًا مبعدًا ، ومضجعًا هنيئا ، ينزل فيه وهو في أعلى درجات الراحة والنعيم:

قال ابن جرير: قوله - تعالى - { فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } أى: فلأنفسهم يستعدون ، ويسوون المضجع ، ليسلموا من عقاب ربهم ، وينجوا من عذابه ، كما قال الشاعر:

أمهد لنفسك ، حان السقْم والتلف ... ولا تضيعن نفسا ما لها خلف

ثم بين - سبحانه - ما اقتضته حكمته وعدالته فقال: { لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } .

أى: فعل ما فعل - سبحانه - من تقسيم الناس إلى فريقين ، ليجزى الذين آمنوا عملوا الأعمال الصالحات ، الجزاء الحسن الذى يستحقونه ، وليعطيهم العطاء الجزيل من فضله ، لأنه بحبهم ، أما الكافرون ، فإنه - سبحانه - لا يحبهم ولا يرضى عنهم .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

موقع هذه الآية ومعناها صالح لعدة وجوه من الموعظة ، وهي من جوامع كلم القرآن . والمقصد منها هو الموعظة بالحوادث ماضيها وحاضرها للإقلاع عن الإشراك وعن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فأما موقعها فيجوز أن تكون متصلة بقوله قبلها { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم الآيات } [ الروم: 9 ] ، فلما طولبوا بالإقرار على ما رأوه من آثار الأمم الخالية ، أو أنكر عليهم عدم النظر في تلك الآثار ، أتبع ذلك بما أدى إليه طريق الموعظة من قوله { هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده } [ الروم: 27 ] ، ومن ذكر الإنذار بعذاب الآخرة ، والتذكير بدلائل الوحدانية ونعم الله تعالى ، وتفريع استحقاقه تعالى الشكر لذاته ولأجل إنعامه استحقاقا مستقرا إدراكه في الفطرة البشرية ، وما تخلل ذلك من الإرشاد والموعظة ، عاد الكلام إلى التذكير بأن ما حل بالأمم الماضية من المصائب ما كان إلا بما كسبت أيديهم ، أي بأعمالهم ، فيوشك أن يحل مثل ما حل بهم بالمخاطبين الذين كسبت أيديهم مثل ما كسبت أيدي أولئك .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 11 / ص 86)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت