فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 1236

فالتعريف في الدين تعريف الجنس ، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق .

واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصًا بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله: { الحمد لله } [ الفاتحة: 2 ] ، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه ، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد ، والمعنى: ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصًا لله لاحظ للإشراك فيه .

والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها؛ لأن الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحًا إذا كان مخلوط العناصر .

وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثرًا جيدًا قال: جاءَ رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي ، فقالا: ألم يقل الله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكزن فتنة ويكون الدين لله } فقال ابن عمر: قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله ، قال ابن عمر: كان الإسلام قليلًا فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة . وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الآنفال .

وقوله: { فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } ، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم ، وهذا تصريح بمفهوم قوله: { الذين يقاتلونكم } [ البقرة: 190 ] واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريحَ بأهم الغايتين من القتال؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال .

وقوله: { فلا عدوان إلا على الظالمين } قائم مقام جواب الشرط لأنه علة الجواب المحذوف ، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال ، لأنهم غير ظالمين؛ وإذ لا عدوان إلاّ على الظالمين ، وهو مجاز بديع .

والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم ، وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدوانًا مشاكلة لقوله: { على الظالمين } كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة . وهذه المشاكلة تقديرية .

وقال السيد (1) :

إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية . ومن ثم فهي أشد من القتل . أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة . ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي ، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج الله ، وتزين لهم الكفر به أو الإعراض عنه . وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد ، ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر ، ويحسنها للناس بوسائل التوجيه؛ بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج الله . ويجعل من هذه الأوضاع فروضًا حتمية لا يملك الناس التفلت منها .

وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة ، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية . . هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام ، ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني . فغاية الوجود الإنساني هي العبادة ( ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى الله ) . وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية ، ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة ، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . . لذلك لم يقل: وقاتلوهم . إنما قال: { واقتلوهم } . . { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } . . أي حيث وجدتموهم . في أية حالة كانوا عليها؛ وبأية وسيلة تملكونها - مع مراعاة أدب الإسلام في عدم المثلة أو الحرق بالنار .

ولا قتال عند المسجد الحرام ، الذي كتب الله له الأمن ، وجعل جواره آمنًا استجابة لدعوة خليله إبراهيم ( عليه السلام ) وجعله مثابة يثوب إليها الناس فينالون فيه الأمن والحرمة والسلام . . لا قتال عند المسجد الحرام إلا للكافرين الذين لا يرعون حرمته ، فيبدأون بقتال المسلمين عنده . وعند ذلك يقاتلهم المسلمون ولا يكفون عنهم حتى يقتلوهم . . فذلك هو الجزاء اللائق بالكافرين ، الذين يفتنون الناس عن دينهم ، ولا يرعون حرمة للمسجد الحرام ، الذي عاشوا في جواره آمنين .

{ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } . .

والانتهاء الذي يستأهل غفران الله ورحمته ، هو الانتهاء عن الكفر ، لا مجرد الانتهاء عن قتال المسلمين أو فتنتهم عن الدين . فالانتهاء عن قتال المسلمين وفتنتهم قصاراه أن يهادنهم المسلمون . ولكنه لا يؤهل لمغفرة الله ورحمته . فالتلويح بالمغفرة والرحمة هنا يقصد به إطماع الكفار في الإيمان ، لينالوا المغفرة والرحمة بعد الكفر والعدوان .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 164)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت