فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 1236

المسألة الثانية: أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه أحدها: أنه صد عن الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام وثانيها: صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام وثالثها: صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت ، ولقائل أن يقول: الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلًا للرسل ، مستحقًا للعبادة ، قادرًا على البعث ، وأما قوله: { والمسجد الحرام } فإن عطفناه على الضمير في { بِهِ } كان المعنى: وكفر بالمسجد الحرام ، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال: إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى: وصد عن المسجد الحرام ، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين والعاكفين والركع السجود .

وأما قوله تعالى: { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلًا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [ الفتح: 26 ] وقال تعالى: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } [ الأنفال: 34 ] فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا: إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين: أحدهما: أن كل واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم من القتال والثاني: أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعًا بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر .

أما قوله تعالى: { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما: هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال: { وَكُفْرٌ بِهِ أَكْبَر } فحمل الفتنة على الفكر يكون تكرارًا ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء .

والقول الثاني: أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى: { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } [ التغابن: 15 ] أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعًا له عن الإنفاق ، وقال تعالى: { الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } [ العنكبوت: 1 ، 2 ] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، وقال: { وفتناك فُتُونًا } [ طه: 40 ] وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال: { وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت: 10 ] والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار وقال: { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } [ البروج: 10 ] والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم ، وقال: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ } [ النساء: 101 ] وقال: { مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بفاتنين * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم }

[ الصافات: 162 ، 163 ] وقال: { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ ابتغاء الفتنة } [ آل عمران: 7 ] أي المحنة في الدين وقال: { واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } [ المائدة: 49 ] وقال: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } [ الممتحنة: 5 ] وقال: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } [ يونس: 85 ] والمعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ المفتون } [ القلم: 5 ، 6 ] قيل: المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت