فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 1236

أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال في الشهر الحرام كبير ، ثم قل لهم أيضًا على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه ، ومن شرككم بالله في بيته ، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام .

فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه ، وتبكيت المشركين على إجرائمهم التي أولها يتمثل في قوله تعالى -: { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله } أي: منع من يريد الإِسلام من دخوله ، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإِشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته .

وثانيها قوله: { وَكُفْرٌ بِهِ } أي: كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على ما قبله .

وثالثها قوله: { والمسجد الحرام } وهو معطوف على سبيل الله أي: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار .

ورابعها قوله: { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } أي: وإخراج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه ، كل ذلك"أكبر"جرما ، وأعظم إثما { عِندَ الله } من القتال في الشهر الحرام .

قال الجمل: فقوله"أكبر"خبر عن الثلاثة أعنى: صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان:

أحدهما: أن يكون خبرًا عن المجموع .

وثانيهما: أن يكون خبرا عنهما باعتبار كل واحد كما تقول: زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أي: كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد ، وهذا هو الظاهر . والمفضل عليه محذوف أي: أكبر مما فعلته السرية"."

ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائهم السابقة جريمة خامسة فقال: { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } أي: ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتال في الشهر الحرام ، لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة .

وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر . أي: كفركم بالله أكبر من القتل في الشهر الحرام .

وأصيل الفتنة: عرض الذهب على النار ، لاستخلاصه من الغش ، ثم استعملت في الشرك وفي الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد .

ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عندما قالوا: استحل محمد وأصحابه القتال في الشهر الحرام .

تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد

صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به ، والله راء وشاهد

وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد

فإنا وإن عيَّر تُمونا بقتله ... وأرجف بالإِسلام باغ وحاسد

سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد

دمًا ، وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند

وقوله - تعالى -: { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ } بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها .

أي: ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكي يرجعوكم عن دين الإِسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه . والتعبي بقوله { وَلاَ يَزَالُونَ } المفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع وأنهم لن يكفوا عن الإِعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم .

و { حتى } للتعليل أي: { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ } لكي { يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ } أو بمعنى إلى ، أي: إلى أن يردوكم عن دينكم . والرد: الصرف عن الشيء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك: فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين .

وقوله: { إِن اسْتَطَاعُواْ } يدل - كما يقول الزمخشري - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم ، وذلك كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق على .

وهو واثق من أنه لن يظفر به . ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك .

وفائدة التقييد بالشرط"إن"التنبيه على سخافة عقول المشركين ، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدي إلى النتيجة التي يتمنونها وهي رد السملمين عن دينهم ، لأن لهذا الدين ربا يحميه ، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه .

ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإِسلام فقال: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت