فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 1236

وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قُرة بن هبيرة العامري ، وعلقمة بن عُلاثة ، والأشعث بن قيس ، وعيينَةَ بن حصن ، وعَمْرو بن معديكرب ، وفي «شرح القاضي زكريا على ألفية العراقي» : وفي دخول من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مُسلمًا ثم ارتدَّ ثم أسلَم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير اه قال حُلولو في «شرح جمع الجوامع» ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة ، هل تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها ، لأن صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم فضيلة عظيمة ، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ففيها نظر ، أما من ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الإسلام في حياته وصَحِبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح .

فإن قلت: ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين ، قلت: تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على فرض وقوعه من غير معين كما في آية { ومن يكفر بالإيمان } [ المائدة: 5 ] أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية: { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } [ الأنعام: 88 ] وآية { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر: 65 ] فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبْط الأعمال ، ومن الخسارة بإجمال ، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ومعالجتهم ارتدادَ المسلمين المخاطبين بالآية ، فكان فرض وقوع الشرك والارتداد منهم أقرب ، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين ، فذكر فيها زيادة تهويل وهو الخلود في النار .

وكانت هذه الآية من دلائل النبوة ، إذا وقع في عام الردة ، أن من بقي في قلبهم أثر الشرك حاولوا من المسلمين الارتداد وقاتلوهم على ذلك فارتد فريق عظيم وقام لها الصديق رضي الله عنه بعزمه ويقينه فقاتلهم فرجع منهم من بقي حيًا ، فلولا هذه الآية لأَيسوا من فائدة الرجوع إلى الإسلام وهي فائدة عدم الخلود في النار .

وقد أشار العطف في قوله: فيمت بالفاء المفيدة للتعقيب إلى أن الموت يعقب الارتداد وقد علم كل أحد أن معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد فيعلم السامع حينئذٍ أن المرتد يعاقب بالموت عقوبة شرعية ، فتكون الآية بها دليلًا على وجوب قتل المرتد .

وقد اختلف في ذلك علماء الأمة فقال الجمهور يستتاب المرتد ثلاثة أيام ويسجن لذلك فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب قُتل كافرًا وهذا قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه سواء كان رجلًا أو امرأة ، وقال أبو حنيفة في الرجل مثلَ قولهم ، ولم ير قتل المرتدة بل قال تسترق ، وقال أصحابه تحبس حتى تُسلم ، وقال أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وطاووس وعبيد الله بن عمرو وعبد العزيز بن الماجشون والشافعي يقتل المرتد ولا يستتاب ، وقيل يستتاب شهرًا .

وحجة الجميع حديث ابن عباس مَن بدل دينه فاقتلوه وفعلُ الصحابة فقد قاتل أبوبكر المرتدين وأحرق علي السبائيَّة الذين ادَّعَوْا ألوهية عليّ ، وأجمعوا على أن المراد بالحديث مَن بدل دينه الذي هو الإسلامْ ، واتفق الجمهور على أن ( مَنْ ) شاملة للذكر والأنثى إلاّ من شذ منهم وهو أبو حنيفة وابن شُبرمة والثوري وعطاء والحسن القائلون لا تُقتل المرأة المرتدة واحتجوا بنَهي رسول الله عن قتل النساء فخصوا به عمومَ مَن بَدَّل دينه ، وهو احتجاج عجيب ، لأن هذا النهي وارد في أحكام الجهاد ، والمرأةُ من شأنها ألا تقاتل ، فإنه نهي أيضًا عن قتل الرهبان والأحبار أفيقول هؤلاء: إن من ارتد من الرهبان والأحبار بعد إسلامه لا يقتل؟

وقد شدد مالك وأبو حنيفة في المرتد بالزندقة أي إظهار الإسلام وإبطال الكفر فقالا: يقتل ولا تقبل توبته إذا أُخذ قبل أن يأتي تائبًا .

ومن سبَّ النبي قُتِل ولا تُقبل توبته .

هذا ، واعلم أن الردة في الأصل هي الخروج من عقيدة الإسلام عند جمهور المسلمين؛ والخروجُ من العقيدة وتركُ أعمال الإسلام عند الخوارج وبعض المعتزلة القائلين بكفر مرتكب الكبيرة ، ويدل على خروج المسلم من الإسلام تصريحه به بإقراره نصًّا أو ضمنًا فالنص ظاهر ، والضمن أن يأتي أحد بلفظ أو فعل يتضمن ذلك لا يحتمل غيره بحيث يكون قد نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلاّ عن كافر مثل السجود للصنم ، والتردد إلى الكنائس بحالة أصحاب دينها .

وألحقوا بذلك إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول به ، أي ما كان العلم به ضروريًا قال ابن راشد في الفائق «في التكفير بإنكار المعلوم ضرورةً خلاف» . وفي ضبط حقيقته أنظار للفقهاء محلها كتب الفقه والخلاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت