والمعنى الإِجمال للآية الكريمة { ياأيها الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ } بعزيمة صادقة ، وسرعة فائقة ، { إِذَا دَعَاكُم } الرسول - صلى الله عليه وسلم - { لِمَا يُحْيِيكُمْ } أى لما به تحيون حياة طيبة من الأقوال والأعمال الصالحة { وَاعْلَمُواْ } علما يقينا { أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } أى يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من شهوات الدنيا ومتعها: فكم من إنسان يؤمل أنه سيفعل كذا غدا ، وسيجمع كذا غدا ، وسيجمع كذا في المستقبل ، وسيحصل على كذا قريبا . . ثم يحول الموت ويفصل بينه وبين آماله وأمانيه . . فبادروا إلى اغتنام الأعمال الصالحة من قبل أن يفاجئكم الموت .
وقوله: { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تذييل قصد به تذكيرهم بأهوال يوم القيامة . والضمير في قوله { وَأَنَّهُ } يعود إلى الله تعالى - أو هو ضمير الشأن . أى: وأنه - سبحانه - إليه وحده ترجعون لا إلى غيره ، فيحاسبكم على ما قدمتم وما أختم ، ويجاز كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد جمعت بين الترغيب . في العمل الصالح بسرعة ونشاط ، وبين الترهيب من التكاسل والغفلة عن طاعة الله .
ثم يؤكد - سبحانه - بعد ذلك ترهيبه لهم من التراخى في تغيير المنكر فيقول: { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } .
الفتنة: من الفتن . وأصله - كما يقول الراغب -: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، واستعمل في إدخال الإِنسان النار .
كما في قوله - تعالى - { ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } أى: عذابكم . وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله - تعالى -: { أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ } وتارة في الاختيار نحو قوله - تعالى - { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } والمراد بالفتنة هنا العذاب الدنيوي ، كالأمراض ، والقحط ، واضطراب الأحوال ، وتسلط الظلمة ، وعدم الأمان . . وغير ذلك من المحن والمصائب والآلام التى تنزل بالناس بسبب غشيانهم الذنوب ، وإقرارهم للمنكرات ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر .
والخطاب لجميع في كل زمان ومكان .
فالمعنى: دواموا أيها المؤمنون على طاعة الله بقوة ونشاط ، واحذروا من أن ينزل بكم عذاب سيعم عند نزوله الأخيار والفجار والمحسنين والمسيئين .
وقوله: { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } المراد منه الحث على لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله - تعالى - .
أى: واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ، وانتهك حرماته .
قال صاحب الكشاف: وقوله { لاَّ تُصِيبَنَّ } لا يخلو من أن يكون جوابًا للأمر ، أو نهيا بعد أمر ، أو صفة لفتنة .
فإن قلت: كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر؟
قلت: لأن فيه معنى النهى - ومتى كان كذلك جاز إدخال النون المؤكدة - كما إذا قلت: انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك . ومنه قوله - تعالى -: { ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } وقوله { خَآصَّةً } منصوب على الحال من الفاعل المستكن في قوله { لاَّ تُصِيبَنَّ } .
ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف . إصابة خاصة .
هذا ، وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الإِقلاع عن المعاصى ، ووجوب محاربة مرتكبيها ، فإن الأمة التى تشيع فيها المعاصى والمظالم والمنكرات . . ثم لا تجد من يحاربها ويعمل على إزالتها ، تستحق العقوبة جزاء سكوتها واستخذائها وجبنها .
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق بعض الصحابة الذين اشتركوا في وقاعة الجمل فيما بعد .
ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأن الآية الكريمة تخاطب المؤمنين جميعًا في كل زمان ومكان ، وأمرهم بالبعد عن المعاصى والمنكرات التى تفضى بهم إلى العذاب الدنيوى قبل الأخروى . وليست خاصة بفريق دون فريق .
لذا قال ابن كثير: والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم الصحيح ، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن .
ومن ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن عدى بن عميرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله - تعالى - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة".
وروى الإِمام أحمد أيضًا عن جرير بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى وهم أعز وأكثر ممن يعملون ، ثم لم يغيروه ، إلا عمهم الله بعقاب".
وقال الإِمام القرطبى: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب
ففى صحيح مسلم"عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم إذا كثر الخبث"".
وفى صحيح الترمذى:"إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه ، أو شك أن يعمهم الله بعقاب من عنده".