فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 1236

وقال السيد (1) :

إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية ، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي ، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن ، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك!

وهو - سبحانه - يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة . ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها . . ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد . . لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها . فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء؛ ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه . . أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } فالفتنة لا تكون بالشدة وبالحرمان وحدهما . . إنها كذلك تكون بالرخاء والعطاء أيضا! ومن الرخاء العطاء هذه الأموال والأولاد . .

هذا هو التنبيه الأول: { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } . .

فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار ، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والاحتياط؛ أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة .

ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض . . فقد يضعف عن الأداء - بعد الانتباه - لثقل التضحية وضخامة التكليف؛ وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد! إنما يلّوح له بما هو خير وأبقى ، ليستعين به على الفتنة ويتقوى: { وإن الله عنده أجر عظيم } . .

إنه - سبحانه - هو الذي وهب الأموال والأولاد . . وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد ، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد . . وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف ، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: { وخلق الإنسان ضعيفًا } إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور ، والتربية والتوجيه ، والفرض والتكليف . منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ }

وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (15) سورة التغابن

قال القرطبي (2) :

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فاحذروهم } قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بالمدينة في عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ؛ شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم جَفاء أهلِه وولدِه؛ فنزلت . ذكره النحاس . وحكاه الطَّبَري عن عطاء بن يَسار قال: نزلت سورة «التغابن» كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: { ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ } نزلت في عَوْف بن مالك الأشْجَعِيّ كان ذا أهل وولد ، وكان إذا أراد الغَزْو بَكَوْا إليه ورقَّقوه فقالوا: إلى مَن تدعنا؟ فَيرِقّ فيُقيم؛ فنزلت: { ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ } الآية كلها بالمدينة في عَوْف بن مالك الأشجعي . وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة . وروى الترمذي: عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية { ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فاحذروهم } قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدعوهم أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فلما أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم رأوُا الناس قد فَقُهُوا في الدِّين هَمُّوا أن يعاقبوهم؛ فأنزل الله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فاحذروهم } الآية . هذا حديث حسن صحيح .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 3 / ص 389)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 5655)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت