فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1236

وقال ابن مسعود: لا يقولن أحدكم اللَّهُم اعْصِمْني من الفتنة؛ فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ ولكن ليقل: اللَّهُمّ إني أعوذ بك من مُضِلاّت الفتن . وقال الحسن في قوله تعالى: { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ } : أدخل «من» للتبعيض؛ لأن كلهم ليسوا بأعداء . ولم يذكر «مِن» في قوله تعالى: { إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما . روى الترمذي وغيره"عن عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب؛ فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران؛ فنزل صلى الله عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثم قال: «صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة . نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» ثم أخذ في خطبته" { والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يعني الجنة ، فهي الغاية ، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين . وفي الصحيحين واللفظ للبخاريّ عن أبي سعيد الخُدْرِي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لَبَّيْك رَبَّنَا وسعْدَيْك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لَنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تُعط أحدًا من خلقك فيقول ألاَ أعطيكم أفضل من ذلك قالوا ياربّ وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك فيقول أُحِلّ عليكم رِضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا"وقد تقدم . ولا شك في أن الرِّضا غاية الآمال . وأنشد الصوفية في تحقيق ذلك:

امتحن الله به خلقهُ ... فالنار والجنة في قبضتهْ

فهجره أعظم من نارِه ... ووَصْلُه أطْيَبُ من جَنَّتهْ

وقال الرازي (1) :

قال الكلبي: كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته فقالوا: أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فحذرهم الله طاعة نسائهم وأولادهم ، ومنهم من لا يطيع ويقول: أما والله لو لم نهاجر ويجمع الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئًا أبدًا ، فلما جمع الله بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا ، وقال مسلم الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان أهله وولده يثبطونه عن الهجرة والجهاد ، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية ، فقال: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله: عدوًا لكم فاحذروهم أن تطيعوا وتدعوا الهجرة ، وقوله تعالى: { وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ } قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ، ولم يصبهم بخير فنزل: { وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ } الآية ، يعني أن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم ، ينهون عن الإسلام ويثبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم ، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر والنهي عن الإيمان ، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدوًا لهم ، وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل: { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تطيعوهم في معصية الله تعالى وفتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة ، وقيل: أعلم الله تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة وهذا عام يعم جميع الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر الفعل الحرام لأجله ، كغصب مال الغير وغيره: { والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } أي جزيل ، وهو الجنة أخبر أن عنده أجرًا عظيمًا ليتحملوا المؤونة العظيمة ، والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم .

وقال السعدي (2) :

هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لأن الجزاء من جنس العمل.

(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 368)

(2) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 868)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت