فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 1236

ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبيّ الله ، أحدّثتَ هؤلاء أنك جئت ببيت المقدس هذه الليلة؟ قال «نعم» قال: يا نبيّ الله ، فصفه لي فإني قد جئته؟ فقال الحسن: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع لي حتى نظرت إليه» فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر رضي الله عنه: صدقت ، أشهد أنك رسول الله . كلما وصف له منه شيئًا قال: صدقت ، أشهد أنك رسول الله . قال: حتى إذا انتهى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: «وأنت يا أبا بكر الصدّيق» فيومئذٍ سماه الصدّيق . قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتدّ عن الإسلام لذلك: { وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ والشجرة الملعونة فِي القرآن وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } فهذا حديث الحسن عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دخل فيه من حديث قتادة . وذكر باقي الإسراء عمن تقدّم في السيرة . وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو أميّة ، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم نفى الحَكَم . وهذا قول ضعيف محدَث والسورة مكية ، فيبعد هذا التأويل ، إلا أن تكون هذه الآية مدنية ، ولم يثبت ذلك . وقد قالت عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنة الله . ثم قال: «والشجرة الملعونة في القرآن» ولم يجز في القرآن لعن هذه الشجرة ، ولكن الله لعن الكفار وهم آكلوها . والمعنى: والشجرة الملعونة في القرآن آكلوها . ويمكن أن يكون هذا على قول العرب لكل طعام مكروه ضار: ملعون . وقال ابن عباس: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر فتقتله ، يعني الكَشُوث . { وَنُخَوِّفُهُمْ } أي بالزّقوم . { فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف إلا الكفر

وقال الرازي (1) :

واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببًا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له: لو كنت رسولًا حقًا من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال: { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس } وفيه قولان:

القول الأول: المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له: ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] .

والقول الثاني: أن المراد بالناس أهل مكة ، وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى: وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى: { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر: 45 ] وقال: { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } [ آل عمران: 12 ] إلى قوله: { أَحَاطَ بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال: { أَحَاطَ بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول: « أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي » ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول: { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } .

ثم قال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا الَّتي أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } وفي هذه الرؤيا أقوال:

القول الأول: أن الله أرى محمدًا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال: « والله كأني أنظر إلى مصارع القوم » ثم أخذ يقول: « هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان » فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والقول الثاني: أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى: { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق } [ الفتح: 27 ] اعترضوا على هذين القولين فقالوا: هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة .

(1) - تفسير الرازي - (ج 10 / ص 80)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت