قال صاحب الكشاف:"على حرف"أى: على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه . وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم: لا على سكون وطمأنينة ، كالذى يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر وغنيمة قر واطمأن ، وإلا فر وطار على وجهه . ."."
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما أخرجه البخارى عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة ، فإذا ولدت أمرأته غلامًا ، ونتجت خيله . قال: هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ، ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء . . ."."
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد صورت المذبذبين في عقيدتهم أكمل تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية ، إن ربحوا من ورائها فرحوا ، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في شأن المنافقين: { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } والتعبير بقوله - سبحانه - { على حَرْفٍ } يصور هذا النوع من الناس ، وكأنه يتأرجح في عبادته كما يتأرجح من يكون على طرف الشىء . فهو معرض للسقوط في أية لحظة .
والمراد من الخير في قوله - تعالى - { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ } الخير الدنيوى من صحة وغنى ومنافع دنيوية .
أى: فإن نزل بهذا المذبذب في عبادته خير دنيوى { اطمأن بِهِ } أى: ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتًا ظاهريًا ، وليس ثباتًا قلبيًا حقيقيًا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد .
{ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } أى: مصيبة أو شر { انقلب على وَجْهِهِ } أى: ارتد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصى .
وقوله - تعالى -: { خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران المبين } بيان لسوء عاقبة صنيعه .
أى: هذا الذى يعبد الله على حرف ، جمع على نفسه خسارتين ، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها ، وخسارة الآخرة بسبب ارتداده إلى الكفر وغشيان السيئات ، وذلك الذى جمعه على نفسه هو الخسران الواضح ، الذى لا ينازع في شأنه عاقلان ، إذ لا خسران أشد وأظهر ، من الخسران الذى ضيع دنياه وآخرته .
ثم بين - سبحانه - مظاهر خسران هذا المذبذب ، وأحواله القبيحة فقال: { يَدْعُو مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ . . . } .
أى: يعبد سوى الله - تعالى - أوثانًا وأصنامًا ، إن ترك عبادتها لا تستطيع أن تضره ، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه .
و { ذلك } الذى يفعله هذا الشقى من عبادته لما لا يضر ولا ينفع { هُوَ الضلال البعيد } بعدًا شاسعًا عن كل صواب ورشاد .
ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريعه تقريعًا آخر فقال: { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير } .
والمولى: هو كل من انعقد بينك وبينه سبب ، يجعلك تواليه ويواليك ، وتناصره ويناصرك . والعشير: هو من يعاشرك ويخالطك في حياتك .
أى: يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب ، معبودًا ضرره أقرب من منفعته ، لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا المعبود .
فإن قيل: كيف نجمع بين هذه الآية التى جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من نفعه ، وبين الآية السابقة عليها والتى نفت الضر والنفع نفيًا تامًا .
وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها: أن لفظ"يدعو"فى الآية الثانية بمعنى يقول .
وقد صدر الألوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه:"قوله - تعالى - { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } . استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله - تعالى - ويقرر كون ذكل ضلالًا بعيدًا . فالدعاء هنا بمعنى القول ."
ِأى: يقول الكافر يوم القيامة برفع صنت ، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ، ولا يرى منه أثرًا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر: والله لبئس الذى يتخذ ناصرًا - من دون الله - ولبئس الذى يعاشر ويخالط ، فكيف بما هو ضرر محض ، عار من النفع بالكلية ، وفى هذا من المبالغة في تقبيح حال الصنم والإمعان في ذمه ما لا يخفى . . ."."
ومنها ما ذكره الإمام القرطبى فقال: قوله - تعالى - { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } أى: هذا الذى انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ، أى: في الآخرة ، لأنه بعبادته دخل النار . ولم يرد منه نفعًا أصلًا ، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه ، ترفيعًا للكلام ، كقوله - تعالى -: { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } ومنها: ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى في شأن الذين يعبدون الأصنام ، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها ، ولا ضر من كفر بها ، ولذا قال فيها: ما لا يضره وما لا ينفعه ، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام ، التعبير بلفظة"ما"فى قوله: { مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } لأن لفظ"ما"يأتى - غالبًا - لما لا يعقل .والأصنام لا تعقل .