وقال الطاهر بن عاشور (1) :
القول في موقع جملة { كذبت ثمود بالنذر } كالقول في موقع جملة { كذبت عاد } [ القمر: 18 ] . وكذلك القول في إسناد حكم التكذيب إلى ثمود وهو اسم القبيلة معتبر فيه الغالب الكثير . فإن صالحًا قد آمن به نفر قليل كما حكاه الله عنهم في سورة الأعراف .
وثمود: ممنوع من الصرف باعتبار العلمية والتأنيث المعنوي ، أي على تأويل الاسم بالقبيلة .
والنذر: جمع نذير الذي هو اسم مصدر أنذر ، أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم الله بها على لسان رسوله . وليس النُذر هنا بصالح لحمله على جمْع النذير بمعنى المُنذر لأن فعل التكذيب إذا تعدى إلى الشخص المنسوب إلى الكذب تعدى إلى اسمه بدون حرف قال تعالى: { فكذبوا رسلي } [ سبأ: 45 ] وقال: { لما كذبوا الرسل } [ الفرقان: 37 ] وقال: { وإن يكذبوك } [ الحج: 42 ] ، وإذا تعدى إلى الكلام المكذّب تعدى إليه بالباء قال: { وكذبتم به } [ الأنعام: 57 ] وقال: { وكذب به قومك } [ الأنعام: 66 ] وقال: { إن الذين كذبوا بآياتنا } [ الأعراف: 40 ] وقال: { كذبوا بآياتنا } [ آل عمران: 11 ] . وهذا بخلاف قوله: { كذبت ثمود المرسلين } في سورة الشعراء ( 141 ) .
والمعنى: أنهم كذبوا إنذارات رسولهم ، أي جحدوها ثم كذبوا رسولهم ، فلذلك فُرع على جملة كذبت ثمود بالنذر قوله: { فقالوا أبشرًا منا واحدًا نتبعه } إلى قوله: { بل هو كذاب أشر } ولو كان المراد بالنذر جمع النذير وأطلق على نذيرهم لكان وجه النظم أن تقع جملة { فقالوا أبشرًا } إلى آخرها غير معطوفة بالفاء لأنها تكون حينئذٍ بيانًا لجملة { كذبت ثمود بالنذر }
والمعنى: أن صالحًا جاءهم بالإِنذارات فجحدوا بها وكانت شبهتهم في التكذيب ما أعرب عنه قولهم: { أبشرًا منا واحدًا نتبعه } إلى آخره ، فهذا القول يقتضي كونه جوابًا عن دعوة وإنذار ، وإنما فُصّل تكذيب ثمود وأجمل تكذيب عاد لقصد بيان المشابهة بين تكذيبهم ثمود وتكذيب قريش إذ تشابهت أقوالهم .
والقول في انتظام جملة { فقالوا أبشرًا } الخ بعد جملة { كذبت ثمود بالنذر } كالقول في جملة { فكذبوا عبدنا } [ القمر: 9 ] بعد جملة { كذبت قبلهم قوم نوح } [ القمر: 9 ] .
وهذا قول قالوه لرسولهم لما أنذرهم بالنذر لأن قوله: { كذبت } يؤذن بمخبر إذ التكذيب يقتضي وجود مخبر . وهو كلام شافهوا به صالحًا وهو الذي عنوه بقولهم: { أبشرًا منَّا } إلخ . وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة .
وانتصب { أبشرًا } على المفعولية ل { نتبعه } على طريقة الاشتغال ، وقدم لاتصاله بهمزة الاستفهام لأن حقها التصدير واتصلت به دونَ أن تدخل على نتبع لأن محل الاستفهام الإنكاري هو كون البشر متبوعًا لا اتباعهم له ومثله { أبشر يهدوننا } [ التغابن: 6 ] وهذا من دقائق مواقع أدوات الاستفهام كما بين في علم المعاني .
والاستفهام هنا إنكاري ، أنكروا أن يرسل الله إلى الناس بَشرًا مثلهم ، أي لو شاء الله لأرسل ملائكة .
ووصف { بشرًا } ب { واحدًا } : إما بمعنى أنه منفرد في دعوته لا أتباع له ولا نصراء ، أي ليس ممن يخشى ، أي بعكس قول أهل مدين { ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز } [ هود: 91 ] . وإما بمعنى أنه من جملة آحاد الناس ، أي ليس من أفضلنا . وإما بمعنى أنه منفرد في ادعاء الرسالة لا سلف له فيها كقول أبي مِحْجن الثقفي:
قد كنت أغنى الناس شخصًا واحدًا ... سَكن المدينة من مزارع فُوم
يريد: لا يناظرني في ذلك أحد .
وجملة { إنا إذا لفي ضلال وسعر } تعليل لإنكار أن يتبعوا بشرًا منهم تقديره: أنتّبعك وأنت بشر واحد منا .
و ( إذن ) حرف جواب هي رابطة الجملة بالتي قبلها . والضلال: عدم الاهتداء إلى الطريق ، أرادوا: إنا إذن مخطئون في أمرنا .
و { السُعُر } : الجُنون ، يقال بضم العين وسكونها .
وفسر ابن عباس السُعُر بالعذاب على أنه جمع سَعير . وجملة { ألقى الذكر عليه من بيننا } تعليل للاستفهام الإِنكاري .
و { ألقى } حقيقته: رُميَ من اليد إلى الأرض وهو هنا مستعار لإِنزال الذكر من السماء قال تعالى: { إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا } [ المزمل: 5 ] .
و ( في ) للظرفية المجازية ، جعلوا تلبسهم بالضلال والجنون كتلبس المظروف بالظرف .
و { من بيننا } حال من ضمير { عليه } ، أي كيف يُلقى عليه الذكر دوننا ، يريدون أن فيهم من هو أحق منه بأن يوحى إليه حسب مدارك عقول الجهلة الذين يقيسون الأمور بمقاييس قصور أفهامهم ويحسبون أن أسباب الأثرة في العادات هي أسبابها في الحقائق .
وحرف { من } في قوله: { من بيننا } بمعنى الفصل كما سماه ابن مالك وإن أباه ابن هشام أي مفصولًا من بيننا كقوله تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح } [ البقرة: 220 ] .
و { بل هو كذاب أشر } إضراب عن ما أنكروه بقولهم: { أألقى الذكر عليه من بيننا } أي لم ينزل الذكر عليه من بيننا بل هو كذّاب فيما ادعاه ، بَطر متكبر .
التحرير والتنوير - (ج 14 / ص 243)