قال القرطبى: وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب ، ووجهها أن الله - تعالى - قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: { تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فتحرم مخالفته ، ويجب امتثال أمره"."
وقال الطاهر بن عاشور (1) :
{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله } [ النور: 62 ] الآية ، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين . وقد علِمَهم الله وأطلع على تسللهم .
( وقد ) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم الله أنه عَلمهم ، أي أنه أعْلم رسوله بذلك .
ودخول ( قد ) على المضارع يأتي للتكثير كثيرًا لأن ( قد ) فيه بمنزلة ( رب ) تستعمل في التكثير ، ومنه قوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم } [ الأحزاب: 18 ] وقول زهير
: ... أخو ثقةٍ لا تُهلك الخمرُ مالَه
ولكنه قد يُهلك المَالَ نائلُه ... و { الذين يتسللون } هم المنافقون . والتسلل: الانسلال من صُبرة ، أي الخروج منه بخفية خروجًا كأنه سَلّ شيء من شيء . يقال: تسلل ، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال: تدخل إذا تكلف إدخال نفسه .
واللواذ: مصدر لاَوَذَهُ ، إذا لاَذَ به ولاذَ به الآخر . شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق وتآمر عند الانصراف خفية بلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضًا فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ .
وانتصب { لواذًا } على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل .
و { منكم } متعلق ب { يتسللون } . وضمير { منكم } خطاب للمؤمنين ، أي قد علم الله الذين يخرجون من جماعتكم متسللّين ملاوذين .
وفرع على ما تضمنته جملة: { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا } تحذير من مخالفة ما نهى الله عنه بقوله: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم .
والمخالفة: المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر ، ففعلها متعدّ . وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون الله ، وتعدية فعل المخالفة بحرف ( عن ) لأنَّه ضُمّن معنى الصدود كما عُدّي ب ( إلى ) في قوله تعالى: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } لما ضمن معنى الذهاب . يقال خالفه إلى الماء ، إذا ذهب إليه دونه ، ولو تُرِكت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام .
وضمير { عن أمره } عائد إلى الله تعالى . والأمر هو ما تضمنه قوله: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا } فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمرَ بضده فكأنه قال: اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر . وهذا كقول ابن أبي ربيعة
.... فقلْنَ لها سرًا فديناككِ لا يرُحْ
صحيحًا وإن لم تقتليه فألمم ... فجعل قولهن: «لا يَرح صحيحًا» وهو نهي في معنى: اقتليه ، فبنى عليه قوله: «وإن لَم تَقتليه فألمم» .
والحذر: تجنب الشيء المخيف . والفتنة: اضطراب حال الناس ، وقد تقدمت عند قوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل } في البقرة ( 191 ) . والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا ، وهو عذاب القتل .
وقال السيد (2) :
روى ابن اسحاق في سبب نزول هذه الآيات أنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق . فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة . فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر , وعمل معه المسلمون فيه , فدأب ودأبوا , وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين , وجعلوا يورون بالضعيف من العمل , ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إذنه ; وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته , فيأذن له . فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله , رغبة في الخير واحتسابا له . فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنين: إنما المؤمنون . . . الآية ثم قال تعالى:يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل , ويذهبون بغير إذن من النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم . . . الآية . .
وأيا ما كان سبب نزول هذه الآيات فهي تتضمن الآداب النفسية التنظيمية بين الجماعة وقائدها . هذه الآداب التي لا يستقيم أمر الجماعة إلا حين تنبع من مشاعرها وعواطفها وأعماق ضميرها . ثم تستقر في حياتها فتصبح تقليدا متبعا وقانونا نافذا . وإلا فهي الفوضى التي لا حدود لها:
(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) . . لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم ; ولا يطيعون الله ورسوله .
(1) - التحرير والتنوير - (ج 10 / ص 40)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 297)