ويقول السيد رحمه الله (1) :
لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة , وأصابهم القتل والهزيمة . أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير . قتل منهم سبعون صحابيا , وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه , وأرهقه المشركون , وأثخن أصحابه بالجراح . . وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس , وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر , حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: أنى هذا ? وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون ?!
والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض . يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور . فهم ليسوا بدعا في الحياة ; فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف , والأمور لا تمضي جزافا , إنما هي تتبع هذه النواميس , فإذا هم درسوها , وأدركوا مغازيها , تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث , وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع , واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث , وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام . واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق . ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين , لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر , وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول .
والسنن التي يشير إليها السياق هنا , ويوجه أبصارهم إليها هي:
عاقبة المكذبين على مدار التاريخ . ومداولة الأيام بين الناس . والابتلاء لتمحيص السرائر , وامتحان قوة الصبر على الشدائد , واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين .
وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال , والمواساة في الشدة , والتأسية على القرح , الذي لم يصبهم وحدهم , إنما أصاب أعداءهم كذلك , وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا , وأهدى منهم طريقا ومنهجا , والعاقبة بعد لهم , والدائرة على الكافرين .
(قد خلت من قبلكم سنن , فسيروا في الأرض , فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) . .
إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها , وحاضرها بماضيها , فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها . وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم , ولم تكن معارفهم , ولم تكن تجاربهم - قبل الإسلام - لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة . لولا هذا الإسلام - وكتابه القرآن - الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى , وخلق به منهم أمة تقود الدنيا . .
إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله , ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم ; فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها , فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا . . وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة , ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان ! إنما حملتها إليهم هذه العقيدة . بل حملتهم إليها ! وارتقت بهم إلى مستواها , في ربع قرن من الزمان . على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ; ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية , إلا بعد أجيال وأجيال . . فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية , وأنه إلى الله تصير الأمور . . فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله , واتسع له تصورها , ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة , فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان - بعد هذا - إلى مشيئته الطليقة !
(قد خلت من قبلكم سنن) . .
وهي هي التي تحكم الحياة . وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة . فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله - بمشيئة الله - في زمانكم , وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم .
(فسيروا في الأرض) . .
فالأرض كلها وحدة . والأرض كلها مسرح للحياة البشرية . والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر .
(فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) . .
وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض , وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك . . ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة . بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه . وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل . . وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة:إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدا . ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة . وكي تحذر الإنزلاق مع المكذبين من جهة أخرى . وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير . وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير .
وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان: (هذا بيان للناس , وهدى وموعظة للمتقين) . .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 66) وفي ظلال القرآن - (ج 1 / ص 450)