فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 1236

ومعنى هذا أن كل واحد مختبَر بصاحبه؛ فالغني ممتحن بالفقير ، عليه أن يواسيه ولا يسخر منه . والفقير ممتحَن بالغنّي ، عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه ، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق؛ كما قال الضحاك في معنى { أَتَصْبِرُونَ } : أي على الحق . وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لم نعاف؟ والأعمى يقول: لِمَ لَمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة . والرسول المخصوص بكرامة النبوّة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره . وكذلك العلماء وحكام العدل . ألا ترى إلى قولهم: { لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف: 31 ] . فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى ، ويحقر المعافى المبتلى . والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه ، هذا عن البطر ، وذاك عن الضجر . { أَتَصْبِرُونَ } محذوف الجواب ، يعني أم لا تصبرون . فيقتضي جوابًا كما قاله المزني ، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصيًا في مراكب ومناكب ، فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية { أَتَصْبِرُونَ } فقال: بلى ربنا! نصبِر ونحتسب . وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرًا عليه ، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر . وعن أبي الدرداء أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ويل للعالِم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للمالك من المملوك وويل للمملوك من المالك وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وبعضهم لبعض فتنة وهو قوله: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } » أسنده الثعلبي تغمده الله برحمته . وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل ، وعقبة بن أبي مُعَيط وعُتْبة بن ربيعة والنضر بن الحرث حين رأوا أبا ذرّ وعبد الله بن مسعود ، وعمارًا وبلالًا وصُهيبًا وعامر بن فُهَيرة ، وسالمًا مولى أبي حُذَيفة ومِهْجَعا مولى عمر بن الخطاب وجبرًا مولى الحَضْرمي ، وذويهم؛ فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: { أَتَصْبِرُونَ } على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر؛ فالتوقيف ب { أَتَصْبِرُونَ } خاص للمؤمنين المحققين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين ، أي اختبارا لهم . ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا } [ المؤمنون: 111 ] .

التاسعة: قوله تعالى: { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } أي بكل امرىء وبمن يصبر أو يجزع ، ومن يؤمن ومن لا يؤمن ، وبمن أدّى ما عليه من الحق ومن لا يؤدّي . وقيل: { أَتَصْبِرُونَ } أي اصبروا . مثل { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [ المائدة: 91 ] أي انتهوا؛ فهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر .

وقال السعدي (1) :

قال تعالى جوابا لقول المكذبين: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ } { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الأسْوَاقِ } فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة، وأما الغنى والفقر فهو فتنة وحكمة من الله تعالى كما قال: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } الرسول فتنة للمرسل إليهم واختبار للمطيعين من العاصين (2) والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة للفقير والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار دار الفتن والابتلاء والاختبار.

والقصد من تلك الفتنة { أَتَصْبِرُونَ } فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة فيثيبكم مولاكم (3) أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟

{ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } يعلم أحوالكم، ويصطفي من يعلمه يصلح [ ص 581 ] لرسالته ويختصه بتفضيله ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وفي التفسير الوسيط (2) :

أى: وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - أحدا من رسلنا ، إلا وحالهم وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذى يأكله غيرهم من البشر . ويمشون في الأسواق كما يمشى غيرهم من الناس ، طلبا للرزق .

وإذًا فقول المشركين في شأنك"مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق"قول يدل على جهالاتهم وسوء نياتهم فلا تتأثر به ، ولا تلتفت إليه ، فأنت على الحق وهم على الباطل .

وقوله - تعالى -: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } بيان لسنة من سنن الله - تعالى - في خلقه ، اقتضتها حكمته ومشيئته .

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 580)

(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3120)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت