تذييل ، فضمير الخطاب في قوله: { بعضكم } يعم جميع الناس بقرينة السياق . وكلا البعضين مبهم يبينه المقام . وحال الفتنة في كلا البعضين مختلف ، فبعضها فتنة في العقيدة ، وبعضها فتنة في الأمن ، وبعضها فتنة في الأبدان .
والإخبار عنه ب { فتنة } مجازي لأنه سبب الفتنة ، وشمل أحد البعضين النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه ، والبعض الآخر المشركين؛ فكان حال الرسول فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به وكان حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان الذي يسويهم بهم ، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأضرابهم يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالًا بالسابقة .
وهذا كقول صناديد قوم نوح لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك فقال: { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قومًا تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } [ هود: 29 ، 30 ] .
وقال تعالى للنبيء صلى الله عليه وسلم { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بَيْنِنا أليس الله بأعلمَ بالشاكرين } [ الأنعام: 52 ، 53 ] .
والكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم عن إعراض بعض قومه عن الإسلام ، ولذلك عقب بقوله: { أتصبرون } ، وهو استفهام مستعمل في الحث والأمر كقوله: { فهل أنتم منتهون } [ المائدة: 91 ] .
وموقع { وكان ربك بصيرًا } موقع الحث على الصبر المأمور به ، أي هو عليم بالصابرين ، وإيذان بأن الله لا يضيع جزاء الرسول على ما يلاقيه من قومه وأنه ناصره عليهم .
وفي الإسناد إلى وصف الرب مضافًا إلى ضمير النبي إلماع إلى هذا الوعد فإن الرب لا يضيع أولياءه كقوله: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر: 97 99 ] أي النصر المحقق .
وقال السيد (1) :
إذا كان هناك اعتراض فليس هو اعتراضا على شخصه . إنما هو اعتراض على سنة من سنن الله . سنة مقدرة مقصودة لها غايتها المرسومة: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) . ليعترض من لا يدركون حكمة الله وتدبيره وتقديره . وليصبر من يثق بالله وحكمته ونصره . ولتمضي الدعوة تغالب وتغلب بوسائل البشر وطرائق البشر . وليثبت من يثبت على هذا الابتلاء: (أتصبرون ?) . . (وكان ربك بصيرا) . بصيرا بالطبائع والقلوب , والمصائر والغايات . ولهذه الإضافة هنا (وكان ربك) إيحاؤها وظلها ونسمتها الرخية على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام التأسية والتسلية والإيواء والتقريب . . والله بصير بمداخل القلوب . .
الفهرس العام
تمهيد حول معنى الابتلاء والمحن
الابتلاء
معنى الفتنة
المحنة
الباب الأول- الابتلاء في القرآن الكريم
الابتلاء بواحد من خمسة أشياء
دخول الجنة له ثمن
دروس وعبر من الابتلاء في غزوة أحد
تمحيص ما في القلوب
لا بد من الابتلاء في الأموال والأنفس
الابتلاء بالتشريع الرباني
الابتلاء بالصيد للمحرم بحج أو عمرة
النهي عن نكث العهود
البلاء الحسن
الابتلاء بأحسن العمل
الابتلاء بالحياة والموت
كل ما على الأرض مادة للابتلاء
ابتلاء النبي إبراهيم عليه السلام بذبح ولده
اختلاف طبيعة الناس من الابتلاء
الابتلاء سنة الله تعالى في خلقه
الدعاء بالابتعاد عن فتنة المؤمنين
الأخذ بالبأساء والضراء
الأخذ بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون
قصة النبي أيوب عليه السلام
ما أصاب المسلمين يوم أحد بسبب معصيتهم
من تحاكم لغير شرع الله عاقبه الله
لا يصيب الناس شيء إلا بإذن الله
المصائب التي تصيب الناس بسبب معاصيهم
ما أصاب الناس من عقوبات هو بسبب ذنوبهم
سبب الفساد في الأرض هو بسبب معاصي الناس
المصائب مقدرة
هلاك الأمم والشعوب سببه الكفر والفسوق والعصيان
فتنة المؤمن عن دينه أشد من القتل
قتال الكفار حتى لا تكون فتنة
ترك موالاة المؤمنين والدفاع عنهم يؤدي إلى الفتنة في الأرض والفساد الكبير
الأمر باتقاء الفتنة
الأموال والأولاد فتنة
إيثار الأهل والأحباب على الله ورسوله والجهاد في سبيله موجب لسخط الله
ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المعراج كان فتنة للناس
عبادة الله على حرف
الفتنة تمحص المؤمنين
الابتلاء بالنعم
ناقة صالح عليه السلام ابتلاء لقومه
مخالفة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم تؤدي لإيقاع العقوبة بهم
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 345)