و عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ - رضى الله عنهن أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ « لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ » . وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِى تَلِيهَا . قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ « نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ » (1)
(1) - صحيح البخارى برقم (3346 )
فتح الباري لابن حجر - (ج 20 / ص 113)
قَالَ اِبْن بَطَّال: هَذَا الْحَدِيث يُبَيِّن حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش حَيْثُ قَالَتْ"أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث"فَيَكُون إِهْلَاك الْجَمِيع عِنْدَ ظُهُور الْمُنْكَر وَالْإِعْلَان بِالْمَعَاصِي . قُلْت: الَّذِي يُنَاسِب كَلَامه الْأَخِير حَدِيث أَبِي بَكْر الصِّدِّيق"سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّ النَّاس إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَر فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّه بِعِقَابٍ"أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَة وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان ، وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فِي الْبَاب وَحَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش فَمُتَنَاسِبَانِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَقِبَهُ ، وَيَجْمَعهُمَا أَنَّ الْهَلَاك يَعُمّ الطَّائِع مَعَ الْعَاصِي ، وَزَادَ حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الطَّائِع عِنْدَ الْبَعْث يُجَازَى بِعَمَلِهِ ، وَمِثْله حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا"الْعَجَب أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْت حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّه إِنَّ الطَّرِيق قَدْ تَجْمَع النَّاس ، قَالَ: نَعَمْ فِيهِمْ الْمُسْتَبْصِر وَالْمَجْبُور وَابْن السَّبِيل يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِر شَتَّى ، يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَى نِيَّاتهمْ"أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَلَهُ مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة نَحْوه وَلَفْظه"فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه فَكَيْف بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ: يُخْسَف بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ الْقِيَامَة عَلَى نِيَّته"وَلَهُ مِنْ حَدِيث جَابِر رَفَعَهُ"يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ"وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَى حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّ الْأُمَم الَّتِي تُعَذَّب عَلَى الْكُفْر يَكُون بَيْنَهُمْ أَهْل أَسْوَاقهمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَيُصَاب جَمِيعهمْ بِآجَالِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى أَعْمَالهمْ ، وَيُقَال إِذَا أَرَادَ اللَّه عَذَاب أُمَّة أَعْقَمَ نِسَاءَهُمْ خَمْس عَشْرَةَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يُصَابُوا لِئَلَّا يُصَاب الْوِلْدَان الَّذِينَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ الْقَلَم اِنْتَهَى . وَهَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْل وَعُمُوم حَدِيث عَائِشَة يَرُدّهُ ، وَقَدْ شُوهِدَتْ السَّفِينَة مَلْأَى مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالْأَطْفَال تَغْرَق فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا ، وَمِثْله الدَّار الْكَبِيرَة تُحْرَق ، وَالرُّفْقَة الْكَثِيرَة تَخْرُج عَلَيْهَا قُطَّاع الطَّرِيق فَيَهْلِكُونَ جَمِيعًا أَوْ أَكْثَرهمْ ، وَالْبَلَد مِنْ بِلَاد الْمُسْلِمِينَ يَهْجُمهَا الْكُفَّار فَيَبْذُلُونَ السَّيْف فِي أَهْلهَا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْخَوَارِج قَدِيمًا ثُمَّ مِنْ الْقَرَامِطَة ثُمَّ مِنْ الطَّطَر أَخِيرًا وَاَللَّه الْمُسْتَعَان . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: أَوْرَدَ مُسْلِم حَدِيث جَابِر"يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ"عَقِبَ حَدِيث جَابِر أَيْضًا رَفَعَهُ"لَا يَمُوتَنَّ أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ"يُشِير إِلَى أَنَّهُ مُفَسِّر لَهُ ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِحَدِيثِ"ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالهمْ"مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُفَسِّرًا لِمَا قَبْلَهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ عَامّ فِيهِ وَفِي غَيْره ، وَيُؤَيِّدهُ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ"ثُمَّ يَبْعَثهُمْ اللَّه عَلَى نِيَّاتهمْ"اِنْتَهَى مُلَخَّصًا . وَالْحَاصِل أَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الِاشْتِرَاك فِي الْمَوْت الِاشْتِرَاك فِي الثَّوَاب أَوْ الْعِقَاب بَلْ يُجَازَى كُلّ أَحَد بِعَمَلِهِ عَلَى حَسَب نِيَّته . وَجَنَحَ اِبْن أَبِي جَمْرَة إِلَى أَنَّ الَّذِينَ يَقَع لَهُمْ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَع بِسَبَبِ سُكُوتهمْ عَنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر ، وَأَمَّا مَنْ أَمَرَ وَنَهَى فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَا يُرْسِل اللَّه عَلَيْهِمْ الْعَذَاب بَلْ يَدْفَع بِهِمْ الْعَذَاب ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلهَا ظَالِمُونَ ) وَقَوْله تَعَالَى ( وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبهمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وَيَدُلّ عَلَى تَعْمِيم الْعَذَاب لِمَنْ لَمْ يَنْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَاهُ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيث غَيْره إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلهمْ ) وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا مَشْرُوعِيَّة الْهَرَب مِنْ الْكُفَّار وَمِنْ الظَّلَمَة لِأَنَّ الْإِقَامَة مَعَهُمْ مِنْ إِلْقَاء النَّفْس إِلَى التَّهْلُكَة ، هَذَا إِذَا لَمْ يُعِنْهُمْ وَلَمْ يَرْضَ بِأَفْعَالِهِمْ فَإِنْ أَعَانَ أَوْ رَضِيَ فَهُوَ مِنْهُمْ ، وَيُؤَيِّدهُ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْخُرُوج مِنْ دِيَار ثَمُود . وَأَمَّا بَعْثهمْ عَلَى أَعْمَالهمْ فَحُكْم عَدْل لِأَنَّ أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة إِنَّمَا يُجَازَوْنَ بِهَا فِي الْآخِرَة ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمهمَا أَصَابَهُمْ مِنْ بَلَاء كَانَ تَكْفِيرًا لِمَا قَدَّمُوهُ مِنْ عَمَل سَيِّئ ، فَكَانَ الْعَذَاب الْمُرْسَل فِي الدُّنْيَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يَتَنَاوَل مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ فَكَانَ ذَلِكَ جَزَاء لَهُمْ عَلَى مُدَاهَنَتهمْ ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَة يُبْعَث كُلّ مِنْهُمْ فَيُجَازَى بِعَمَلِهِ . وَفِي الْحَدِيث تَحْذِير وَتَخْوِيف عَظِيم لِمَنْ سَكَتَ عَنْ النَّهْي ، فَكَيْفَ بِمَنْ دَاهَنَ ، فَكَيْف بِمَنْ رَضِيَ ، فَكَيْف بِمَنْ عَاوَنَ ؟ نَسْأَل اللَّه السَّلَامَة . قُلْت: وَمُقْتَضَى كَلَامه أَنَّ أَهْل الطَّاعَة لَا يُصِيبهُمْ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا بِجَرِيرَةِ الْعُصَاة ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْقُرْطُبِيّ فِي"التَّذْكِرَة"وَمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا أَشْبَه بِظَاهِرِ الْحَدِيث . وَإِلَى نَحْوه مَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث زَيْنَب بِنْت جَحْش"أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَث"فِي آخَر كِتَاب الْفِتَن .