أى هذا الذى ذكرناه لكم من وعد ووعيد ، ومن أوامر ونواه ، ومن حض على الاعتبار بأحوال المكذبين ، { بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } يكشف لهم الحقائق ويرفع عنهم الالتباس { وَهُدًى } يهديهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم { وَمَوْعِظَةٌ } أى تخويف نافع { لِّلْمُتَّقِينَ } الذين يعتبرون بالمثلات ، وينتفعون بالعظات .
وقيل: إن اسم الإشارة يعود إلى القرآن .
أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين .
وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال: وأولى القولين في ذلك عندى بالصواب: قول من قال: قوله { هذا } إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله - عز وجل - المؤمنين ، وتعريفهم حدوده ، وحضهم على لزوم طاعته ، والصبر على جهاد أعدائه ، لأن قوله { هذا } إشارة إلى حاضر إما مرئى وإما مسموع وهو في هذا الموضع لى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة ، فمعنى الكلام: هذا الذى أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس"."
والمراد بالناس جميعهم ، إذ أن ما ساقه الله - تعالى - من دلالات وهدايات وعظات هى للناس كافة ، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون ، لأنهم هم الذين أخلصوا قلوبهم لله ، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه . . .
والكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى ، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب ، والناس في كل زمان ومكان لا ينقصهم - في الغالب - العلم بالحق وبالباطل ، وبالهدى والضلال . . . وإنما الذى ينقصهم هو القلب السليم الذى يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه بإخلاص وإصرار ، ولذا وجدنا القرآن في هذه الآية - وفى عشرات الآيات غيرها - يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول: { هذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ } .
وبعد هذا البيان الحكيم ، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف ، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين . ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } .
وقوله { تَهِنُوا } من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف . وأصله ضعف الذات كما في قوله - تعالى - حكاية عن زكريا: { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي } أى ضعف جسمى .
وهو هنا مجاز عن خور العزيمة ، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء يأسًا والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه .
وقوله { تَحْزَنُوا } من الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه ، أو عند نزول أمر يجعل النفس في هم وقلق .
والمقصود من النهى عن الوهن والحزن ، النهى عن سببهما وعن الاسترسال في الألم مما أصابهم في غزوة أحد .
والمعنى: لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - في الهم والألم مما أصابكم في يوم أحد ، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين ، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند الله .
وقوله { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } جملة حالية من ضمير الجماعة في ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم .
أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم في غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم في غزوة أحد . وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت .
وأنتم سيكون لكم النصر عليهم في النهاية ، لأن الله - تعالى - قد وعدكم بذلك فهو القائل: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } وقوله { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } جملة شرطية ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله .
أى: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء يوجب قوة القلب ، وصدق العزيمة ، والصمود في وجه الأعداء ، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هى العليا .
والتعليق بالشرط في قوله { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى ، إذ قد علم الله - تعالى - أنهم مؤمنون ، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم في أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه ، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا في قتال أعدائكم ، فإن سنة الله في خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم .
فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر ، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم ، وبشارة بأن النصر في النهاية سيكون حليفهم .
ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم ، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال - تعالى -: { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ } .