فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 1236

أما الشبهة الأولى: وهي قولهم: { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } فجوابه: أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن الله به على من يشاء من عباده ، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة .

واعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا: إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصًا بخواص شريفة علوية قدسية ، فإنه يمتنع عقلًا حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة والجماعة ، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسدانية تواضعًا منهم ، واقتصروا على قولهم: { ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوة ، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما قال تعالى: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام: 124 ] .

وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم: إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقًا ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، فجوابه: عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها .

وأما الشبهة الثالثة: وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت