فهرس الكتاب
وقوله: { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } أى: لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى .
وقوله { والذين مِن بَعْدِهِمْ } مبتدأ ، وقوله { لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } خبره ، والجملة اعتراض بن المفسر - بفتح السين - وهو { نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ } وتفسيره وهو { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } .
والمعنى: لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوحو عاد وثمود ، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعادتكم ، لكى تنجوا من العذاب الأليم الذى حل بالمظالمين من قبلكم .
وجملة { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } مستأنفة في جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟
فكان الجواب: جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات الظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .
وقوله { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ . . . } .
بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم .
والضمائر فى"ردوا"و"أيديهم"و"أفواههم"تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات ، وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون في معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال:
منها: أن الكفار وضعوا أنامهم في أفواههم فعضوها غيضا وبغضا مما جاء به الرسل ، وقالوا لهم بغضب وضجر: إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات ، فاغربوا عن وجوهنا ، واتركونا وشأننا .
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإِمام ابن جرير ، فقد قال:"وقوله: { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ . . . } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم: معنى ذلك ، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه . . روى ذلك عن ابن مسعود وغيره ."
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى: وأشبه هذه الأقوال عندى الصواب في تأويل هذه الآية ، القول الذى ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم في أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال: { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } فهذا هو الكلام المعروف ، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه .
ومنها: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها ، وقالوا للرسل على سبيل التحدى والتكذيب . { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أى: لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه .
ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإِمام الآلوسى ، فقد صدر الأقوال التى ذكرها به ، فقال ما ملخصه: قوله { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } أى: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ، وقالوا لهم { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ } أى: على زعمكم ، وهى البينات التى أظهرها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها: الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم . . .
ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال: والذى يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة: هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حالوا الإِنكار على الرسل كل الإِنكار ، حيث جمعوا على الإِنكارين: الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب . . ."."
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا .
وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال:"وهذا التركيب لا أعهد مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن: ومعنى { فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ } ."
يحتمل عد وجو أنها في الكشاف إلى سبعة ، وفى بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل .
ومنها: أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل تركوهم إهمالا لشأنهم .
وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه:"وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل . أى: لم يؤمنوا ولم يجيبوا . والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد رد يده في فيه . وهذكا قال الأخفش ، واعترض على ذلك القتيبى فقال: لم يسمع أحد من العرب يقول: رد يده في فيه ، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنفا وغيظا . ."
فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب . . .
وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق في أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبين رسلهم من سوء أدب .