ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره ، وأن الوصول إلى رضا الله - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم ، وصبر طويل فقال - تعالى -: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين } و { أَمْ } هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة ، بمعنى بل الانتقالية ، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم في غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرارهم عنه في ساعة الشدة .
والهمة المقدرة معها للإنكار والاستبعاد .
وقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ } معطوف على جملة { وَلاَ تَهِنُوا } وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شىء من الضعف ، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون ، والأيام دول ، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم ، ثم بين لهم هنا: أن دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم في سبيل الله ، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا .
والمعنى: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة ، وتنالوا كرامة ربكم ، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا في سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه ، إن كنتم تحسبونه هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإقلاع عنه .
ويحتمل أن تكون { أَمْ } هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة"ويكون المعنى عليه: أعلمتم أن الله - تعالى - سننا في النصر والهزيمة ، وأن الأيام دول . وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر ، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟"
وقوله { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } بمعنى ولما تجاهدوا . لأن العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقة ، لأنه منتف بانتفائه . يقول الرجل: ما علم الله من فلان خيرا ، يريد ما فيه خير حتى يعمله ، و"لما"بمعنى و { لَم } إلا أن فيها ضربًا من التوقع ، فدل على نفى الجهاد فيما مضى ، وعلى توقعه فيما يستقبل .
وتقول: وعدنى أن يفعل كذا لوما يفعل ، تريد: وأنا أتوقع فعله"."
وجملة { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ } حالية من ضمير { تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار ، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة ، ولذا قال بعضهم:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على اليبس
وقال بعض الحكماء"طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب ، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور . وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة".
وقوله { وَيَعْلَمَ الصابرين } أى ويتميز الصابرون في جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين في جهادهم ، الثابتين في البأساء والضراء من غيرهم ، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال .
فالجهاد في سبيل الله يستلزم الصبر ، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه ، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال: الشجاعة صبر ساعة .
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم .
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
ولقد كان عدم صبر الرماة في غزوة أحد ، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم ، من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين في تلك المعركة .
والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد . ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا ، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات".
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة في سبيله فقال { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } .
قال ابن جرير ما ملخصه: كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهدوا بدرًا ، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر ، فيعطون الله من أنفسهم خيرا ، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ، فر بعضهم وصبر بعضهم ، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك ، فعاتب الله من فر منهم بقوله: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } . . . الآية .
والخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة في غزوة أحد ، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام .
والمراد بالموت هنا الشهادة في سبيل الله ، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت .